بين العلماء معنى التقوى بأن يطاع الله ولا يعصى، قال عبد الوهاب بن السبكي١ بعد بيان هذا المعنى: "وحقيقتها: التحرز بطاعة الله من عقوبته" قال: "وأصلها اتقاء الشرك، ثم اتقاء المعاصي، ثم اتقاء الشبهات، ثم اتقاء الفضلات".
وبين ابن السبكي أن المتقي قد يكون عدلا وقد لا يكون، وعلل لذلك بما نقله عن بعض شيوخه، وهو أن اتقاء المعاصي -كبيرها وصغيرها- هو التقوى، فإن اتقى الكبائر -وكان عدلا- لم يقدح فيه إتيان الصغيرة، ولكنها تقدح في تقواه، فهذا عدل غير متق.
وقال: وقد يتقي ولا يكون عدلا إذا لم يكن ذا هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.
كما بين العلماء أن العدالة والتقوى قد تتحقق في الصبي مع عدم قبول شهادته؛ وذلك لأن البلوغ شرط في قبول قوله وليس شرطا في عدالته٢.
_________________
(١) ١ الأشباه والنظائر لعبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، ج١، ص٤٤٩، ٤٥٠. ٢ نفس المصدر السابق.
[ ١٦٨ ]
أكثر العلماء يشترطون العدالة في القاضي:
اشترط العدالة في القاضي أكثر العلماء، فأكثر العلماء ومنهم الشافعية والمالكية في المشهور في مذهبهم، والحنفية في رواية، والحنابلة والشيعة الإمامية، والزيدية يرون أنه لا تصح ولاية الفاسق القضاء، ولا ينفذ حكمه حتى لو صادف الحق١.
رأي الحنفية في ظاهر المذهب:
ويرى الحنفية في ظاهر المذهب عندهم أن العدالة ليست شرطا من شروط جواز التولية، ولكنها شرط من شروط الكمال، أي: الأفضل والأكمل أن يكون القاضي عدلا، ولو قلد الفاسق صح في ظاهر المذهب، وعليه أن يحكم بفتوى غيره، ولكنهم يرون أنه لا ينبغي أن يقلد القضاء؛ لأن القضاء أمانة عظيمة، وهي أمانة الأموال والأبضاع والنفوس، فلا يقوم بوفائها إلا من كان كاملا في الورع والتقوى، إلا أنه مع هذا لو قلد هذا المنصب جاز التقليد في نفسه وصار قاضيا.
فإن كان في الرعية عالم تحققت فيه صفة العدالة، فلا يحل شرعا عند الحنفية تولية من ليس كذلك، لكن لو ولي صحت توليته، وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز حد الشرع، كشهادة الفاسق عندهم لا يجوز قبولها، لكن لو قبلت شهادته نفذ الحكم بها مع وقوع القاضي في الإثم لقبولها.
هذا هو ظاهر المذهب عند الحنفية -كما قلنا- وقد اختار الطحاوي أحد
_________________
(١) ١ شرح فتح القدير لابن الهمام، ج٧، ص٢٥٣، ومواهب الجليل للحطاب، ج٦، ص٨٧، ونظام القضاء في الإسلام، ص١٦، وشرائع الإسلام للحلي، ج٤، ص٦٧، ووسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة للحر العاملي، ج١٨، ص٢. والبحر الزخار لأحمد بن يحيى بن المرتضى، ج٦، ص١١٩.
[ ١٦٩ ]
كبار فقهائهم أن الفاسق إذا قلد القضاء لا يصبح قاضيا١، وهو ما يتفق ورأي الجمهور.
التعليل لرأي الحنفية:
علل الحنفية لرأيهم بأن كل من كان أهلا للشهادة كلا أهلا للقضاء وبالعكس، وذلك بناء على قاعدة أن حكم القضاء يستفاد من حكم الشهادة؛ لأن كلا من القضاء والشهادة من باب الولاية، وهي تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى٢،فكل ما يشترط في الشهادة يشترط في القضاء؛ لأن ولاية القضاء أعم أو أكمل من ولاية الشهادة أو مترتبة عليها، وكل ما لا يشترط في الشهادة لا يشترط في القضاء.
ولما كان الفاسق عندهم أهلا للشهادة فلا تشترط العدالة في القاضي.
وقد عللوا لعدم اشتراط العدالة في الشهادة، بأن المسلم إما أن يكون من أهل العصر الذي شهد لهم رسول الله -ﷺ- بالخيرية، وإما أن يكون من غيرهم، فإن كان من أهل ذلك العصر الذي شهد له الرسول -ﷺ- بالخيرية فهذا ظاهر، وأما إن كان من غيرهم فنظرا إلى ظاهر حال المسلم،
_________________
(١) ١ شرح العناية على الهداية لمحمد محمود البابرتي مطبوع مع فتح القدير، ج٧، ص٢٥٤. ٢ فالقضاء فيه تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى، والشهادة كذلك فيها تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى، وهذا هو معنى الولاية، انظر: أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، تأليف الشيخ قاسم القونوي، تحقيق الدكتور أحمد عبد الرزاق الكبيسي، ص٢٢٩، الطبعة الأولى، ١٩٨٦.
[ ١٧٠ ]
فظاهر حال المسلم أنه غير مرتكب للجرائم والمخالفات الدينية١.
_________________
(١) ١ شرح العناية على الهداية مع فتح القدير، ج٧، ص٢٥٤، وقد ثبتت أحاديث تبين فضل أهل القرون الثلاثة الأولى مثل ما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ: "خير أمتي القرن الذي يلونني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". وفي صحيح مسلم عن عائشة -﵂- قالت: سأل رجل رسول الله -ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي بعثت فيهم، ثم الثاني، ثم الثالث". وبعض الروايات شك الراوي هل بيّن الرسول -ﷺ- فضل ثلاثة قرون أم أربعة؟ ففي الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله -ﷺ- قرنه مرتين أو ثلاثا، "ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن". وبعض الروايات فيها شك من الراوي هل ذكر رسول الله -ﷺ- القرن الثالث أم لا، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم"، والله أعلم: أذكر الثالث أم لا؟ "ثم يخلف قوم يحبون السمانة، يشهدون قبل أن يستشهدوا". وقد فهم بعض العلماء من قوله -ﷺ- في الحديث: "يشهدون قبل أن يستشهدوا" أن المراد به أداء الشهادة بالحق قبل أن يطلبها المشهود له، وحملوا ذلك على ما إذا كان عالما، جمعا بين هذا وبين قوله -ﷺ: "ألا أنبئكم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". لكن ابن تيمية بيّن أن الصحيح أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل جاء في بعض ألفاظ الحديث "ثم يفشوا الكذب، حتى يشهد الرجل ولا يستشهد"، وقال ابن تيمية: "الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة، حتى إنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية، وأوائل الدولة العباسية، وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم، وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب، وعربت بعض الكتب الأعجمية من كتب الهند، والفرس، والروم، وظهر ما قاله النبي -ﷺ: "ثم يفشوا الكذب، حتى يشهد الرجل ولا يستشهد، ويحلف ولا يستحلف"، وقال ابن تيمية أيضًا: "الأعصار الثلاثة المفضلة لم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة، كما خرج من سائر الأمصار، فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله -ﷺ، وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، "يعني الكوفة والبصرة" والشام، منها خرج القرآن والحديث، والفقه والعبادة، وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية. مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٢٠، ص٢٩٥ وما بعدها، وج١٠، ص٣٥٧، ٣٥٨.
[ ١٧١ ]
من أدلة القائلين باشتراط العدالة:
أولا: قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١.
وجه الدلالة:
وجه الدلالة أن الله ﷿ أمر بالتبين عند قول الفاسق، ولا يصح أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله، ويجب التبين عند حكمه، فليس من المقبول أن نبحث في كل حكم أصدره القاضي الفاسق لنتبين مدى الحق فيه.
ثانيا: الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا -عند الجمهور- فلا يكون قاضيا من باب أولى.
الرأي الراجح:
نرى ترجيح الرأي القائل باشتراط العدالة في القاضي، فلا يولى القضاء غير العدل ما دام يوجد غيره ممن تتوفر فيه العدالة، وسائر الشروط الأخرى المشترطة في القاضي.
وقياس القضاء على الشهادة في عدم اشتراط العدالة لا نسلمه؛ لأننا لا نسلم أن العدالة لا تشترط في الشاهد، بل هي مشترطة فيه، لقوله ﵎: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فقد أمر الله ﷿ بالتوقف عن نبأ الفاسق، والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه.
وأيضًا؛ فلأن الفاسق لم يمنعه دينه من ارتكاب محظورات الدين، فلا يؤمن أن يمنعه عن الكذب، فلا تحصل الثقة بخبره٢.
وأيضًا فاشتراط العدالة في صحة التصرفات التي تشترط فيها العدالة إنما هو لتحقيق المصلحة للناس، لحصول الضبط بها عن الخيانة، والكذب، والتقصير؛ لأن الفاسق لا يتحقق عنده الوازع الديني فلا يوثق به٣.
هذا وقد بيّن العلماء أنه إذا لم يوجد من تتوافر فيه شروط العدالة لكي نوليه القضاء أقيم أصلح الموجودين وأقلهم فجورا، وهو ما يتبع أيضًا في مجال الشهادة؛ لئلا تضيع مصالح الناس؛ ولأن التكليف بالأحكام الشرعية مشروط بالإمكان٤، قال ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية رقم: ٦. ٢ المغني، ج٩، ص١٦٥. ٣ المغني، ج٩، ص٤٠. ٤ فتح القدير ج٧، ص٢٥٢ ومواهب الجليل، للحطاب، ج٦، ص٩٠. ٥ سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
[ ١٧٢ ]