إِن الْبَوَادِي من الْقَبَائِل والعصائب مغلوبون لأهل الْأَمْصَار مَا لم يحصل لَهُم علنها غلب وَلَا ملك وَذَلِكَ لاحتياجهم بالطبع للحضر فِي أَمريْن
أَحدهمَا ضَرُورِيّ مَا لابد مِنْهُ فِي المعاش مِمَّا هُوَ مَعْدُوم عِنْدهم أَو غير واف بِالْمَقْصُودِ وأهمه الصَّنَائِع الَّتِي هِيَ مَادَّة الفلح الْمَوْجُود لديهم كالتجارة والحدادة وَشبه ذَلِك
القاني ثمن مَا لديهم مثمونة من غلَّة زرع أَو عين حَيَوَان أَو فضلته مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ أهل الْأَمْصَار وَهُوَ الدِّينَار وَالدِّرْهَم المفقودان فِي البدو وَلَكِن حاجاتهم غلى الْأَمْصَار ضَرُورِيّ وحاجة أَهلهَا إِلَيْهِم فِي حاجي أَو تكميلي
مزِيد ثَمَرَة لإخفاء أَن هَذَا الِاجْتِمَاع نَاشِئ عَن بعض الْعمرَان البدوي عَن الحضري والكامل رَئِيس النَّاقِص فَمن ثمَّ تَجِد الْبَادِيَة متصرفين فِي مصَالح الْحَضَر وطاعاتهم مَتى دعوا إِلَى ذَلِك وطولبوا بِهِ
[ ١ / ٦٣ ]
قَالَ ابْن خلدون فان كَانَ فِي الْمصر ملك كَانَت طاعتهم لغَلَبَة الْملك وَإِلَّا فَلَا بُد فِيهِ من رياسة وَإِلَّا انْتقصَ عمرانه وَذَلِكَ الرئيس يحملهم على طَاعَته طَوْعًا ببذل المَال لَهُم وعَلى أَن يُبِيح لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مصره فيستقيم عمرانهم أَو كرهاإن تمت قدرته على ذَلِك وَلَو بالتضريب بَينهم حَتَّى يحصل لَهُ جَانب مِنْهُم يغالب بِهِ البَاقِينَ فيضطر الْآخرُونَ إِلَى طَاعَته بِمَا يتوقعون لذَلِك من فَسَاد عمرانهم وَرُبمَا لَا يسعهم التَّحَوُّل عَن تِلْكَ النواحي لعمران كل الْجِهَات بِمن غلب عَلَيْهَا ومنعها من غَيره وَحِينَئِذٍ فَلَا ملْجأ لَهُم إِلَّا طَاعَة الْمصر فهم بِالضَّرُورَةِ مغلوبون لأهل الْأَمْصَار وَالله القاهر فَوق عباده