قَالَ وَقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثمَّ ينسلخون مِنْهُ لذهابها بالحضارة ويختلطون بالغمار وَيبقى فِي نُفُوسهم وسواس ذَلِك الْحسب وَلَيْسوا من ذَلِك فِي شَيْء لذهاب العصبية جملَة وَكثير من أهل الْأَمْصَار الناشئين فِي بيُوت الْعَرَب والعجم لأوّل عَهدهم موسومون بذلك
قَالَ وَأكْثر مَا رسخ الوسواس فِي ذَلِك لبني إِسْرَائِيل لما سبق لَهُم من شرف الْبَيْت بِتَعَدُّد الْأَنْبِيَاء وَالرسل ثمَّ العصبية وَالْملك الَّذِي وعدوا بِهِ وَبعد انسلاخهم عَن جَمِيع ذَلِك وَضرب الذلة وانفرادهم بالاستعباد آلافا من السنين مَا زَالَ هَذَا الوسواس مصاحبا لَهُم فَيَقُولُونَ هَذَا هاروني أَو من قبائل يُوشَع أَو من سبط كَذَا مَعَ ذهَاب مَا أوجب ذَلِك أَولا ورسوخ مَا عَفا بعد على أَثَره
قَالَ وَكثير من أهل الْأَمْصَار وَغَيرهم المنقطعين فِي أنسابهم عَن العصبية يذهب غلى هَذَا الهذيان قَالَ وَقد غلظ ابْن رشد فِي هَذَا لما ذكر الْحسب فِي كتاب الخطابة من تَلْخِيص كتاب أر سطو فَقَالَ
[ ١ / ٥٦ ]
والحسب أَن يكون من قوم قديم نزلهم بِالْمَدِينَةِ وليت شعري مَا الَّذِي يَنْفَعهُ قدم نزلهم إِن لم يكن عِصَابَة يرهب بهَا جَانِبه وَيحمل غَيرهم على الْقبُول مِنْهُ فَكَأَنَّهُ أطلق الْحسب على تعديد الْآبَاء فَقَط مَعَ أَن الخطابة إِنَّمَا هِيَ استمالة من تُؤثر استمالته وَهن أهل الْحل وَالْعقد وَأما من لَا قدرَة لَهُ الْبَتَّةَ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا يقدر على استمالة أحد
قَالَ أَلا إِن رشد رَبِّي فِي جيل وبلد لم يمارسوا العصبية وَلَا أنسوا أحوالها فَبَقيَ فِي أَمر الْبَيْت والحسب على الْأَمر الْمَشْهُور من تعديد الْآبَاء على الْإِطْلَاق وَلم يُرَاجع فِيهِ حَقِيقَة العصبية وسرها فِي الْخَلِيفَة وَالله بِكُل شَيْء عليم انْتهى