وَفِيه مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى تقدم مَا يدل على أَن المُرَاد بهَا وبالإمامة رَاجع عَن الشَّارِع فِي حفظ الدّين وسياسة الدُّنْيَا ولأئمة الْأُصُول فِي تَحْرِير ذَلِك عِبَارَات أَصَحهَا عِنْد الأمدي وَفرض كَلَامهم فِي لف الْإِمَامَة أَنَّهَا خلَافَة
[ ١ / ٩٠ ]
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة يُسمى الْقَائِم بِهَذَا المنصب خَليفَة لحلفه رَسُول الله ﷺ فِي أمته قَالَه الْمَاوَرْدِيّ أَو الْمَاضِي قبله أَي الْخَلِيفَة الَّذِي كَانَ قبله الْبَغَوِيّ قَالَ الْبَيْضَاوِيّ وإماما تَشْبِيها لَهُ بِإِمَام الصَّلَاة فِي وجوب أَتْبَاعه
شخص النَّبِي ﷺ فِي إِقَامَة الشَّرْع وَحفظ الْملَّة على وَجه يُوجب إتباعه جَمِيع النَّاس
قَالَ ابْن عَرَفَة أنظر هَل يخر ج عَنْهَا إِمَام ذِي فسق وَظَاهر نصوصهم وَالْأَحَادِيث أَنَّهَا فِيهِ إِمَامَة لَا تنقص
قلت تَمام تَقْرِيره عِنْد بَيَان أَن جوره لَا يسْقط وجوب الطَّاعَة لَهُ
قَالَ ولأقرب أَنَّهَا صفة حكمِيَّة توجب امْتِثَال أَمر موصوفها فِي غير مُنكر عُمُوما فَيخرج الْقَضَاء لخصوصه بِإِخْرَاج أَحْكَام الحروب والقضايا وَنَحْوهَا
[ ١ / ٩١ ]
قَالَ ابْن خلدون وَلِهَذَا يُقَال الْإِمَامَة الْكُبْرَى
قلت وتنشأ هُنَا فروع
أَحدهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ يجوز أَن يُقَال الْخَلِيفَة على الْإِطْلَاق وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ
الثَّانِي قَالَ النَّوَوِيّ يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال خَليفَة الله بل يُقَال الْخَلِيفَة وَخَلِيفَة رَسُول الله ﷺ وأمير الْمُؤمنِينَ
قلت حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَن الْجُمْهُور قَالَ
وَقد قيل لأبي بكر ﵁ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله ﷺ
الثَّالِث قَالَ الْبَغَوِيّ لَا باس أَن يُسمى الْقَائِم بِأَمْر الْمُسلمين أَمِير الْمُؤمنِينَ والخليفة وَأَن كَانَ مُخَالفا لسيرة أَئِمَّة الْعدْل لقِيَامه بِأَمْر الْمُؤمنِينَ وَتسمع الْمُؤمنِينَ لَهُ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لبيعة الْخُلَفَاء والملوك مدلولان
أَحدهمَا بِحَسب الْعرف اللّغَوِيّ والمعهود الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْعَهْد على الطَّاعَة وذل لأَنهم كَانُوا إِذا عقدوا عهدا لأمير جعلُوا أَيْديهم فِي يَده توكيدا للْعهد لذَلِك فَأشبه فعل البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَسُمي بيعَة وَصَارَت مصافحة بِالْأَيْدِي وَمِنْه بيعَة النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْعقبَة وَعند الشَّجَرَة
وَالثَّانِي بِاعْتِبَار الْمَشْهُور لهَذَا الْعَهْد
قَالَ ابْن خلدون وَهِي تَحِيَّة الْمُلُوك الكسروية من تَقْبِيل الأَرْض أَو الْيَد أَو الرجل أَو الذيل أطلق عَلَيْهَا إسم الْبيعَة الَّتِي هِيَ الْعَهْد على الطَّاعَة مجَازًا
[ ١ / ٩٢ ]
لما كَانَ هَذَا الخضوع من لوازمها وَغلب فِيهِ حَتَّى صَار حَقِيقَة عرفية وَاسْتغْنى بهَا عَن مصافحة أَيدي النَّاس لما فِيهَا لكل أحد من الابتذال الْمنَافِي للرياسة فَوق المنصب الملوكي إِلَّا فِي الْأَقَل لقصد تواضع من يَأْخُذ بِهِ نقسه من الْمُلُوك مَعَ خواصه ومشاهير أهل الدّين من الرّعية
تَنْبِيه قَالَ فَافْهَم معنى الْبيعَة فِي الْعرف فَإِنَّهُ أكيد على الْإِنْسَان مَعْرفَته لما يلْزمه من حق سُلْطَانه وإمامه وَلَا تكون أَفعاله عَبَثا ومجانا وَاعْتبر ذَلِك من أفعالك مَعَ الْمُلُوك وَالله الْقوي الْعَزِيز
قلت وَمِمَّا يتَأَكَّد مَعْرفَته مَعَ ذَلِك أَن جَوَاز بعض أَنْوَاع هَذَا الخضوع فِي التَّحِيَّة إِنَّمَا هُوَ لما عرض مِمَّا أوجب عِنْد الِاقْتِصَار على الْبيعَة السّنيَّة تبذلا وَقد قَالَ الْغَزالِيّ إِن الانحناء فِي الْخدمَة مَعْصِيّة إِلَّا عِنْد خوف
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة من تَوَابِع نظر الْخلَافَة فِي مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا ولوازم الطَّاعَة لَهُ فِي ذَلِك تَوْلِيَة الْعَهْد لمن يُوفي لَهُ بعد مماته مُبَالغَة فِي النّظر لِلْخلقِ وخروجا عَن عُهْدَة مَا يخْشَى من التَّقْصِير فِي ذَلِك وَقد عهد أَبُو بكر غلى عمر بِمحضر الصَّحَابَة ﵃ وعهد عمر فِي الشورى غلى السِّتَّة المعروفين ﵃ جَمِيعهم وَعمد مَا أوجبوا على أنفسهم طَاعَة الْعَهْد بذلك دلّ على أَنهم أَجمعُوا على جَوَاز النّظر بِهِ أَولا وعَلى انْعِقَاده بعد الْوُقُوع ثَانِيًا
تَنْبِيه إِذا خص الابْن بِولَايَة الْعَهْد وَاقْتضى الْحَال ذَلِك فَلَا تُهْمَة فِيهِ على الإِمَام خلافًا لقوم
قَالَ ابْن خلدون وَأما أَن يكون الْقَصْد بالعهد حفظ التراث على الْآبَاء فَلَيْسَ من الْمَقَاصِد الدِّينِيَّة إِذْ هُوَ أَمر من الله يخْتَص بِهِ من يَشَاء
[ ١ / ٩٣ ]
فَيَنْبَغِي أَن تحسن النِّيَّة فِيهِ مَا أمكن خوفًا من الْعَبَث بالمناصب الدِّينِيَّة وَالْملك لله يوتيه من يَشَاء سُبْحَانَهُ
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة تقدم أَن إنقلاب الْخلَافَة إِلَى الْملك لَا بُد مِنْهُ بِحَسب طبيعة الْوُجُود وَبَيَانه الْآن من حَيْثُ سَببه مُتَوَقف على مُقَدمَات
إِن الْملك غَايَة طبيعية للعصبية على مَا يَأْتِي تَقْرِيره إِن شَاءَ الله وَإِذا ذَاك فحصوله عَنْهَا ضَرُورِيّ بِحَسب تَرْتِيب الْوُجُود الِاخْتِيَارِيّ
الثَّانِيَة أَن الشَّرَائِع والديانات وكل أَمر يحمل عَلَيْهِ الْجُمْهُور وَلَا بُد فِيهِ من العصبية كَمَا يَتَّضِح بعد إِن شَاءَ الله وَعَلِيهِ فَهِيَ ضَرُورِيَّة فِي الْملَّة وَإِلَّا لما تمّ أَمر الله بهَا
الثَّالِثَة أَن ذمّ الْملك وَالنَّهْي عَن أَهله فِي الِاسْتِمْتَاع بِالْخِلَافِ والتنكيب عَن صِرَاط الله مصرف لقصد التغلب بِالْبَاطِلِ وتصريف الْخلق طوع الْأَغْرَاض والشهوات وَأما النِّيَّة فِيهِ حمل النَّاس بِهِ على عبَادَة الله وَجِهَاد عدوه لَازم فِيهِ بِوَجْه وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك
الرَّابِعَة إِن ذمّ العصبية والأعلام بِعَدَمِ فائدتها كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لن تنفعكم أَرْحَامكُم وَلَا أَوْلَادكُم﴾ وَقَوله ﷺ إِن الله أذهب عَنْكُم عبِّيَّة الْجَاهِلِيَّة وَفَخْرهَا بِالْآبَاءِ أَنْتُم بَنو آدم وآدَم من تُرَاب المُرَاد بِهِ حَيْثُ تكون على بَاطِل كَمَا كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَمَتى أستعين بهَا على إِقَامَة حق فَلَا ذمّ فِيهَا وَإِلَّا لما تمّ ظُهُور ذَلِك
[ ١ / ٩٤ ]
إِذا تقرر هَذَا فالخلافة وَالْملك فِي الدولة الإسلامية مقامات ثَلَاثَة الْمقَام الأول عِنْد وجود الْخلَافَة بِدُونِ الْملك
وَذَلِكَ حِين الْبَرَاءَة مِنْهُ والتنكب على طَرِيقه فِي أول الْأَمر اسْتغْنَاء عَنهُ بوازع الدّين لما كَانُوا عَلَيْهِ من إِيثَار الْحق أَولا وغضاضة البداوة الْمعينَة عَلَيْهِ ثَانِيًا
الْمقَام الثَّانِي بعد اختلاطها وامتزاج الدولة بهما
وَذَلِكَ عِنْد تدرج البداوة إِلَى نهايتها تَجِيء طبيعة الْملك لمقْتَضى العصبية وَحُصُول التغلب ثمَّ انْفِرَاده بالمجد مَعَ تحري مَذَاهِب الدّين والجري على نهج الْحق إِذا التَّغْيِير لم يظْهر إِلَّا الْوَازِع الديني فَقَط
تعْيين تَغْيِير قَالَ ابْن خلدون كَمَا كَانَ الْأَمر لعهد مُعَاوِيَة ﵁ ومروان وَابْنه عبد الْملك والصدر الأول من خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الرشيد وَبَعض وَلَده
قلت يشْهد لَهُ حَدِيث الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ ثمَّ يكون ملكا
قَالَ عِيَاض فَكَانَت كَذَلِك مُدَّة الْحسن ﵁
[ ١ / ٩٥ ]
الْمقَام الثَّالِث وَهُوَ الانقلاب الْكُلِّي إِلَى الْملك البحت
وَذَلِكَ عِنْد ذهَاب مَعَاني الْخلَافَة مَا عدا اسْمهَا وجريان طبيعة التغلب إِلَى غايتها فِي اسْتِعْمَال أغراضها من الْقَهْر والتحكم فِي الشَّهَوَات والملاذ
قلت يدل عَلَيْهِ حَدِيث أَن هَذَا المر بَدَأَ نبوة وَرَحْمَة وَخِلَافَة ثمَّ يكون ملكا عَضُوضًا ثمَّ يكون عتوا وَجَبْرِيَّة وَفَسَادًا فِي الْأمة
تَعْرِيف قَالَ كَمَا كَانَ المر بخلف بني عبد الْملك وَلم جَاءَ بعد المعتصم والمتوكل من بني الْعَبَّاس
قَالَ وَاسم الْخلَافَة كَانَ بَاقِيا لبَقَاء عصبية الْعَرَب ثمَّ ذهب رسمها وأثرها بذهاب عصبية الْعَرَب وفناء جيلهم وَبَقِي الْأَمر ملكا كَمَا فِي مُلُوك الْعَجم فِي الْمشرق يدينون بِطَاعَة الْخَلِيفَة تبركا وَالْملك بِجَمِيعِ مناحيه لَهُم لاشيء مِنْهُ للخليفة وكما فِي مُلُوك زناتة بالمغرب كصنهاجة مَعَ العبيديين ومغراوة وَبني يفرن مَعَ بني أُميَّة بالأندلس
النّظر الثَّالِث فِي سَائِر أَنْوَاع الرياسات
وَقبل بَيَان ذَلِك فَهُنَا مقدمتان
[ ١ / ٩٦ ]
الْمُقدمَة الأولى أَن الْعمرَان البشري لابد لَهُ من سياسة يَنْتَظِم بهَا أمره لما تقدم أَن الْوَازِع فِيهِ ضَرُورِيّ سَوَاء كَانَ يَزع الْخلق بِمُقْتَضى السياسة الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة وَحِينَئِذٍ فرياسته بذلك إِن لم تَنْتَهِ إِلَى الْملك الْحَقِيقِيّ لفقد شَرطه فَلَا أقل من تمكنه وتمشية مَا يسوس بِهِ من تَحت رياسته وَحِينَئِذٍ يُسمى رَئِيسا
الْمُقدمَة الثَّانِيَة إِن الْملَّة لابد فِيهَا من الْقَائِم بهَا عِنْد غيبَة نبيها يكون فِيهَا كالخليفة عَنهُ فِي حملهمْ على مَا جَاءَ بِهِ من الْأَحْكَام والشرائع وَالْحَاجة مَعَ ذَلِك إِلَى الْوَازِع الْمُسَمّى بِالْملكِ إِنَّمَا هُوَ أما تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَالْملَّة الإسلامية لما شرع فِيهَا الْجِهَاد لحمل الكافة على إِجَابَة دعوتها الْعَامَّة طَوْعًا أَو كرها فَلَا جرم اتَّخذت فِيهَا الْخلَافَة وَالْملك وَلَا كَذَلِك عيرها من الْملَل فَلذَلِك لَا يَنْبَغِي للقائم فِيهَا بِأَمْر الدّين شَيْء من سياسة الْملك ووجوده فِيهَا مَا هُوَ بِالْعرضِ وَالْأَمر غير ديني إِذا لم يخاطبوا بالتغلب على الْأُمَم كَمَا فِي الْملَّة الإسلامية زَادهَا الله ظهورا إِذا عرفت هَذَا فَتلك الرياسة الْقَائِمَة سياستين نَوْعَانِ بحسبهما
النَّوْع الأول الرياسة الشَّرْعِيَّة
وَمن مَشْهُور الْوَاقِع من ذَلِك مُلَخصا من كَلَام ابْن خلدون رياستان هما للْيَهُود وَهِي رياسة الكوهن وَالْأُخْرَى لِلنَّصَارَى وَهِي رياسة البابا