الثانية: حراسة البيضة، والذب عن الأمة من عدو في دين، أو باغي نفس أو مال.
الثالثة: عامرة البلدان باعتماد مصالحها، وتهذيب [سبلها] ومسالكها.
الرابعة: تقدير ما يتولاه من الأموال بسبب الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها.
الخامسة: معاناة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها، واعتماد النصفة في فصلها.
والسادسة: إقامة الحود على مستحقيها من غير تجاوز فيها، ولا تقصير عنها.
والسابعة: اختيار خلفائه في الأمور أن يكونوا من أهل الكفاءة فيها، والأمانة عليها، فإذا فعل بالأمة ما ذكرناه من هذه الأشياء السبعة كان مؤديا لحق الله فيهم مستوجبا لطاعته، وسأذكر تفصيلها بأبسط من ذلك إن شاء الله تعالى في أمثلة:
الأول: " السلطان نفسه ينبغي أن (يعرف أن) ولاية أمور الناس - وأعني بها
[ ١ / ١٠٧ ]
الإمامة العظمى – من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس يجمعهم ويرجعون إليه عند اختلافهم وحاجاتهم، ولهذا قال النبي ﷺ: " إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم"، وقال ﷺ: " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"، ففي تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيه على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى، أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
[ ١ / ١٠٨ ]
وقد روي " إذا مررتم ببلدة ليس فيها سلطان، فلا تدخلوها فإنما السلطان ظل الله في الأرض ورمحه"، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح للناس من ليلة واحدة بلا سلطان. وروى أنه ﵇ قال: " عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة".
قال العلماء: خلق الله تعالى الدنيا زادا للمعاد في الأخرى، ليتناول الناس منها ما يؤديهم إلى الدار الآخرة فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات ولكنهم
[ ١ / ١٠٩ ]
تناولوها بالجور، ومتابعة الشهوات، ومحبة الاستئثار؛ فتولدت بينهم الخصومات، فاحتاجوا إلى سلطان يسوسهم، ويضبط أمورهم، ولولا ردع السلطان، لغلب قويهم ضعيفهم، ولم يكن دافع عن قتل، ولا وازع عن غصب، وقالوا: عمارة الدنيا بأربع: الدين، والملك، والناس، والمال. ومثلوا ذلك بالفسطاط وهو الدين وعمودها، وهو السلطان، وأطنابها، وهم الناس، وأوتادها وهي المال.
" ولا يتم إقامة سائر ما ما أوجبه الله على عباده من الجهاد، والصلوات، والزكوات، وإقامة الحج، والجمع، [والأعياد]، والجماعات، والعدل، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، والتعزيرات إلا بالقوة، والسلطان".
وقد كان جماعة من السلف الصالح كفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن
[ ١ / ١١٠ ]
حنبل وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان.
وقد أوجب الله سبحانه (على العلماء بذل النصيحة) لأئمة المسلمين كما أوجب طاعتهم على سائر الرعايا.
قال ﷺ: " إن الله يرضي لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم"، فمما يجب على السلطان وولاة الأمور أداء الأمانة إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، لقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" .. الآية، وفي أداء الأمانة نوعان:
الأول الولايات، " فيجب على السلطان أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل مما فيه صلاح المسلمين، ونفع لهم لقوله صلى
[ ١ / ١١١ ]
الله عليه وسلم: " من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح منه للمسلمين، فقد خان الله ورسوله".
" فعليه أن يبحث عن المستحقين للولايات من نوابه في سائر الأمصار التي في عمله من القضاة، والأمراء، والأجناد، ومقدمي العساكر، والوزراء، والكتاب، والشادين والسعادة على الخراج والصدقات، وأئمة الصلاة والمؤذنين، والخطباء، والمقرئين، وأمراء الحاج، وخزان الأموال، وحراس الحصون والبوابين وغيرهم.
وعلى كل من ولي شيئا من أعمال المسلمين من هؤلاء، وغيرهم أن يستعمل فيما
[ ١ / ١١٢ ]
تحت يديه في كل موضع أصلح من يقدر عليه"؛ فتولية الأتقياء الأبرار خير (للأمة) من تولية الظلمة الفجار، وأسلم في الآخرة من عذاب النار.
قال الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾، فاتباع الهوى مفسد للدين والدنيا.
" وينبغي للسلطان أن لا يقدم في الولاية من هذه الأمور من سبق في الطلب لها، بل ينبغي أن يكون سؤاله للولاية، وسبقه لطلبها سببًا لمنعه، (وحرمانه منها) فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لقوم دخلوا عليه وسألوه الولاية: " إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه". وقال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيت عن غير مسألة أعنت عليها".
وقال ﷺ: " من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده".
[ ١ / ١١٣ ]
وينبغي أن لا يعول في طلب ولاية أو شكوى غريم على من سبق كما يفعل كثير من الترك ذلك فيمن سبق بالشكوى إليهم، وإن كان ظالما فيقولون هو مظلوم ويجزمون بأن خصمه ظالم عليه لسبقه له فطالما اشتكى الرجل، وتظلم وهو ظالم. بل ينبغي لمن له الأمر أن يتأني، ويتبصر، ويفحص حتى يظهر له الأحق والمظلوم؛ ليوليه أو يزيل ظلامته، وأفحش من ذلك من يقدم في الولاية من بذل له مالًا سحتا حرامًا في تولية وظيفة، أو منصب ولاية على المسلمين، فإن من يوليه، أو يساعد في ولايته آثم مأزور من وجهين:
أحدهما: عدوله عن الأحق الأصلح لتلك الولاية إلى هذا الجاهل الظالم.
ثانيهما: قبوله منه هذا السحت الحرام، فإنه يأخذ أضعافه من ضعفة المسلمين، ومساكينهم، فيكون ذلك في صحيفة من ولاه، لأنه السبب، وخصوصا إن كان يعلم منه ذلك، فالبلاء أشد وأعظم.
وإذا قال السلطان لعماله، هاتوا فقد قال لهم: خذوا نسأل الله السلامة، " فإن عدل السلطان عن الأحق إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو صهارة، أو صداقة، أو موافقة في بلد، أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية، والفارسية، والتركية،
[ ١ / ١١٤ ]
والرومية. أو لرشوة يأخذها منه من مال، أو مفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لبغض منه للأحق أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾. " فإن تعذر الأصلح لتلك الولاية، فيجتهد في اختيار الأحق الأمثل، فالأمثل في كل منصب بحسبه، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب، وصار من أئمة العدل - إن شاء الله تعالى -.
وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره، فلا حرج عليه (إذا لم يمكنه) إلا ذلك.
قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقال ﵇: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
ثم إنه إذا خالف هواه، وشهوة نفسه، وأدى الأمانة وولي المناصب أهلها أثابه الله تعالى، وحفظه في نفسه، وماله، وولده من بعده، ونصره على أعدائه، وسدده. وإن هو أطاع هواه وحظ نفسه عاقبه الله تعالى وأذهب ملكه،
[ ١ / ١١٥ ]
ونصر عليه أعداءه، وأذل أهله وولده من بعده، " فقد حكي أهل التاريخ: أن السيد عمر بن عبد العزيز دخل عليه بنوه في مرض موته، وكانوا بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ وكان قد قيل له: يا أمير المؤمنين أفغرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، فقال: ادخلوهم علي، فلما رآهم، ذرفت عيناه بالدموع ثم قال: يا بني، والله ما منعتكم حقا هو لكم، ولم أكن آخذ أموال المسلمين فأدفعها إليكم، فإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولي الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني فانصرفوا ولم يعطهم شيئا.
قال الراوي: فلقد رأيت بعضهم حمل على مائة فرس في سبيل الله تعالى يعني: دفعها لمن يغزو عليها. وكان ما حصل لكل واحد من أولاده من
[ ١ / ١١٦ ]
تركه أبيهم ﵁. يقال: أنه أقل من عشرين درهما، هذا وقد كان عمر خليفة المسلمين، من أقصي المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وجزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس وغيرها إلى أقصى اليمن. قال:
ولقد حضرت موت بعض الخلفاء بعده وقد اقتسم بنوه تركته، فحصل لكل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ثم رأيت بعضهم يتكفف الناس بعد ذلك – أي يسألهم بكفه" فليتأمل العاقل هذه الحكاية، فإن فيها عظة وعبرة لمن يعتبر، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.
وقد دل الكتاب العزيز والسنة الشريفة على أن الولاية أمانة يجب أداؤها لأهلها، قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾.
[ ١ / ١١٧ ]
" فهذان الأمران جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة". " فقد ذكر العلماء أنها نزلت في ولاة الأمور، أن عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل"، وأن سبب نزولها أن النبي – ﷺ – " لما فتح مكة، وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه عمه العباس، ليجمع بين سقاية الحاج، وسدانة البيت أي (خدمته) وهم النبي ﷺ – بدفعها له؛ فنزلت فأمر – عليا – ﵁ – بدفع المفاتيح إلى أصحابها بني شيبة". وقال ﷺ – لأبي ذر في الإمارة: إنها أمانة وإنها
[ ١ / ١١٨ ]
يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وقد أخبر النبي ﷺ بأن إضاعة الأمانة من علامات قرب الساعة، وأن من إضاعتها: ولاية المناصب لغير أهلها.
ففي البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله: وما إضاعتها؟ قال": إذا وسد الأمر إلى غير أهلها فانتظر الساعة"، فعلى كل من له ولاية على شيء، ولو وصي يتيم، وناظر وقف أن يتصرف له بالأحظ الأصلح، لأن الولي راع، وكل راعٍ مسئول عن رعيته.
كما قال النبي ﷺ: " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه، وهو مسئول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده، وهو مسئول عن رعيته"، وقال – ﷺ: " من يسترعيه الله رعية، يموت بوم بموت، وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة".
وفي رواية: " من ولي أمرًا من أمور أمتى فلم ينصح لهم، ولم يجتهد؛ فالجنة
[ ١ / ١١٩ ]
عليه حرام".
ولما دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان قال له: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فأعادها ثلاثا، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول: فقال أبو مسلم: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، (فإن أنت) هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تفعل ذلك، عاقبك سيدها ولم يوف أجرك.
واعلم أن الله – جل ثناؤه – وتقدست أسماؤه – افترض على كافة الخلق الطاعة،
[ ١ / ١٢٠ ]
والإذعان لأئمة الحق كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.
افتتحها سبحانه بإيجاب طاعته على الخلق، وثني بطاعة رسوله ﷺ، وثلث بطاعة أولى الأمر، وأراد بهم الأئمة الراشدين الذين إليهم أمور هذه الأمة، وأحكامها ولهم التصرف فيها بنشرها وطيها وإثباتها، وإحكامها، هكذا قال أنس بن مالك حين سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾، فقال: هم الأئمة الراشدون فمنهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ومن يلي أمور هذه الأمة إلى قيام الساعة. هكذا سمعت نبيكم ﷺ.
قال العلماء فيها: إنها نزلت في الرعية من الأمراء، والجيوش، وغيرهم،
[ ١ / ١٢١ ]
فعليهم أن يطيعوا أولياء الأمر الفاعلين لما ذكرنا في قسمهم، وحكمهم، ومغازيهم، وغيرها إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء من ذلك ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وإن لم تفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله تعالى ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأعينوا على البر والتقوى، ولا يعاونون على الإثم، والعدوان.
وعلى الرعية أيضا ألا يطلبوا من ولاة الأمور ما لا يستحقونه، وليس لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق عليهم التي قدمنا ذكرها، وإن كان ظالما كما أمر به النبي ﷺ – لما ذكر له جور الولاة، فقال: " أدوا إليهم الذي لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا كانت بنو إسرائيل تسوسهم [الأنبياء]، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا [نبي] بعدي، وستكون خلفاء فتكثر قالوا بما تأمرنا قال: فواببيعة الأول فالأول، ثم اعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما
[ ١ / ١٢٢ ]
استرعاهم".
وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلًا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر، وعليك الصبر.
وينبغي على السلطان أن يتبصر في الولايات على المسلمين في جميع جهاته، وأن يستعمل الرجل للمصلحة الراجحة للناس، لأنهم كانوا في زمن الصحابة ﵃ – يستعملون الرجل ومعه من هو أفضل منه في العلم والإيمان طلبا للمصلحة.
فيتعرف الأصلح في كل منصب بحسبه، فإن " الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة.
قال تعالى: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. وقال صاحب مصر ليوسف ﵇: ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾.
[ ١ / ١٢٣ ]
وقال تعالى في صفة جبريل ﵇: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوي عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾.
أما ": القوة ففي كل ولاية بحسبها، فالقوى في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وهي الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، والقدرة على أنواع القتال: من رمي، وضرب، وركوب، وكر، وفر ونحو ذلك". " والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العلم والعدل الذي دل عليها الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، ولا يكون إلا بالعلم.
وأما الأمانة فترجع إلى خشية الله تعالى، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله تعالى على كل من حكم على الناس في قوله: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. " ولكن ينبغي للسلطان، ولكل ذي ولاية إذا كان خلقه يميل إلى اللين أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وبالعكس، ليعتدل الأمر، وتتم السياسة، فقد كان أبو بكر ﵁ يؤثر استنابة خالد بن الوليد لشدته، وكان عمر ﵁ يؤثر عزل خالد، واستنابة [أبي] عبيدة
[ ١ / ١٢٤ ]
ابن الجراح للينه، فكان ذلك الأصلح لكل منهما ليكون أمره معتدلا، ويكون به من خلفاء رسول الله ﷺ –".
قال ابن تيمية من أئمة الحنابلة في كتابه السياسة الشرعية: " فإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، (لحفظ الأموال) قدم الأمين، وأما استخراجها وحفظها، فلابد فيه معها من قوة فيولي عليها شاد قوي يستخرج بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته، وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد" " ويقدم في ولاية القضاء الأورع الأعلم، الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع قدم – فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى – الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم ففي الحديث مرفوعًا: " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول
[ ١ / ١٢٥ ]
الشهوات" ويقدمات على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدًا بتأييد تام، من جهة وإلى الحرب، أو العامة.
ويقدم الأكفأ، إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة" " والكفاءة إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة.
وفي الحقيقة لابد منها" " فأي صفة من هذه الصفات [نقصت] ظهر الخلل"، " وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولي القضاء إلا فاسق عالم، أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون، على أنه لابد في المتولي للقضاء من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل (يجب أن) يكون مجهتدا، أو يجوز أن يكون مقلدًا أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ ثلاثة أقوال.
ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجودين، يجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس، ما لابد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان
[ ١ / ١٢٦ ]
في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج، ونحوها، لا يجب تحصيلها، لأن الواجب هناك لا يتم، إلا بها"، فافهم ذلك، فإنه قد يخفى.
واعلم أن من أهم مصالح الدين إقامة الصلاة والجهاد، قال ﷺ: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله". " وقال: " الصلاة عماد الدين" لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تعين على ما سواها من الطاعات".
" ولما بعث ﷺ – معاذا إلى اليمن، قال: " يا معاذ، إن أهم أمرك عندي الصلاة"، وكان عمر ﵁ يكتب إلى عماله: " إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حافظ عليها، وحفظها حفظ، ومن ضيعها كان لما سواها أشد
[ ١ / ١٢٧ ]
إضاعة".
فعلى السلطان أو من يوليه كالمحتسب أن يأمر مناديا ينادي في الشوارع والأسواق، التي لا يبلغها النداء بالصلاة، ويعاقب من علم منه التخلف عنها، أو عن فعلها في جماعة، وخصوصا [في] يوم الجمعة عند إقامة الصلاة أو قرب إقامتها.
وعليه أن ينظر في حال رعيته ومصالحهم من أمر الدين والدنيا لأن الخلق إنما خلقوا لعبادة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
"فمقصود الشارع: إصلاح دين الخلق، الذي متي فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نفعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم المال على المستحقين، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد فيهما، أصلح له دينه، ودنياه".
" وأما الجهاد في سبيل الله، فهو واجب على هذه الأمة بالاتفاق، كما دل عليه الكتاب والسنة وهو من أفضل الأعمال.
ففي الصحيح قال ﷺ: " إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة، كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله"، وقال تعالى: " لما أمر بالجهاد " ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون
[ ١ / ١٢٨ ]
الدين لكه لله﴾، لأن القصد أن تكون كلمة الله هي العليا، وفي الصحيحين قيل: يا رسول الله؟ الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" وكلمة الله، اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه، قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾.
فإن المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، أن يقوم الناس بالقسط، في حقوق الله تعالى، وحقوق خلقه، ثم قال: ﴿وأنزلنا الحديث فيه بأس شديد، ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾، فمن عدل عن الكتاب قوم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف، والسيف.
فعن جابر ﵁، أمرنا رسول الله ﷺ: " أن نضرب بهذا – يعني السيف- من عدل عن هذا – يعني المصحف" " وكل طائفة امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، يجب جهادها أيضا حتى يكون الدين (كله لله) بتفاق العلماء.
وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورة، والمحرمات التي يجب القتال عليها
[ ١ / ١٢٩ ]
بالعقوبة على ترك الواجبات. وفعل المحرمات، وهو مقصود الجهاد في سبيل الله" ولكنه مع ذلك فرض كفاية على الأمة، على أصح الوجهين، فحيث قامت به طائفة منهم في جهة، سقط عن الباقين، وتفاصيل ذلك معلومة في كتب الفقه.
" النوع الثاني، من أداء الأمانات: الأموال"، فينبغي أن يعلم أن الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب، والسنة، ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفئ، وما يحلق بها من الجزية، والخراج، والعشر، " والمال الذي ليس له مالك، معين كالمغصوب والعواري والودائع التي تعذر معرفة أصحابها،
[ ١ / ١٣٠ ]
ومال من لا وارث له" فتحصل من ذلك سبعة أنواع.
قال الحافظ صلاح الدين العلائي في قواعده: وقد نظم قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بيتين ضمنها الأموال التي هي أصول بيت المال، وهما:
جهات أموال بيت المال سبعتها … في بيت شعر حواها فيه كاتبه
خمس وفيء خراج جزية عشر … وإرث فرد ومال ضل صاحبه
[ ١ / ١٣١ ]
" فالواجب: في مصرفها أن يبتدأ منها أولا، بالقسمة على الأهم، فالأهم، من مصالح المسلمين العامة، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم الجند المقاتلة: الذين هم أهل النصرة، والجهاد في سبيل الله، بل هم أحق الناس بالفيء، لأنه لا يحصل إلا بهم وفيهم العلماء والقضاة، والسعاة على الأموال حفظا، وجمعا، وقسمة، ونحوهم حتى أئمة الصلاة، والمؤذنين، وكل ما يعم نفعه للمسلمين، كسداد الثغور بالكراع، والسلاح وعمارة طرق الناس كالجسور والقناطر، وحفر الأنهار، ونحوها.
وأما سائر الأموال السلطانية، فلجميع المصالح وفاقا، إلا ما خص به نوع، كالصدقات والمغانم، ومن المستحقين ذوي الولايات عليهم، كالولاة ونحوهم"، وكل ذلك مبسوط في كتب الفقه.
فعلى السلطان أن يجتهد بحسب وسعه، وطاقته في صرف هذه الأموال إلى مستحقيها، وإيصال الحقوق إلى أربابها، ودفع الظلامات عن عباد الله المظلومين، ونصرهم، " وأخذ الحق من العتاة المتجبرين، وقهرهم وإذا أخذت الأموال من الرعايا بغير حق، وتعذر ردها إلى أصحابها، كما يقع ذلك كثيرا في الأموال السلطانية في هذا الزمان، فيتعين صرفها في مصالح المسلمين العامة المتقدم ذكرها، من سداد الثغور،
[ ١ / ١٣٢ ]
ونفقة الجند المقاتلة"، وشراء أسرى المسلمين من أيدي الكفار، وأرزاق العلماء، والمشتغلين بالعلم كفايتهم، ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فهذا من أعظم المعاونة للمسلمين على أمر الدين.
فعلى ولي الأمر أن يأخذ المال من حله، ويضعه في حقه، ولا يمنعه من مستحقه، " ولا يجوز له أن يعطيه لمن لا يستحقه لهوى نفسه، أو لأجل منفعة محرمة منه، كعطية المرد من الصبيان الأحرار، والمماليك، والبغايا والمغنين، والمساخر، والعرافين من الكهان، والمنجمين، ونحوهم"، فإعطاء كل هؤلاء حرام، وفسق فأما من تخول في مال الله، وتصرف فيه بحسب أغراضه وشهواته، وأعطاه لمن أحب، ومنعه لمن أبغضه، فقد خان الله فيه، وليس مود بالأمانة، لأن حقيقة موضوعه أنه عبد الله، يقسم مال الله بأمر الله، ويضعه حيث أمره الله، فخالف ذلك كله.
وأما ما يأخذه ولاة الأمور، وغيرهم من أموال المسلمين بغير حق، قال العلماء: فللسلطان العادل نزعها منهم، واستخراجها ولو بالضرب والعقوبة، حتى
[ ١ / ١٣٣ ]
يؤدوها وعليه أن يجتهد في مصالح الرعية، " فمن عليه مال يجب أداؤه لأهله، كوديعة أو مال يتم، أو مال وقف، أو مال بيت المال، أو مال لموكله، أو عليه دين، وهو قادر على وفائه، فإذا امتنع من أداء الحق الواجب عليه من ذلك كله، استحق العقوبة، حتى يوديه، فإذا عرف السلطان طريق المال استوفي الحق منه، ولا حاجة إلى عقوبته".
" ففي صحيح البخاري " أن النبي – ﷺ – لما صالح أهل خيبر على الصفراء، والبيضاء، والسلاح، سأل بعض اليهود وهو شعيه، عم حييى بن أخطب، عن كنز حيي فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك، فدفع النبي – ﷺ – سعيه إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال: " قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا به فوجدوا المسك في الخربة". قال بعض العلماء: " ففي هذا أصل لما يفعله ملوك زماننا؛
[ ١ / ١٣٤ ]
لأن هذا الرجل كان ذميا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق، وكذا كل من كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة، ونحوها يعاقب أيضا على ترك الواجب"، وإن كان مسلما، ومن ذلك الهدايا التي تأخذها العمال".
فقد قال أبو سعيد الخدري: " هدايا العمال غلول"، وروى إبراهيم
[ ١ / ١٣٥ ]
الحربي في الهدايا عن ابن عباس أن النبي ﷺ عليه وسلم) قال: "هدايا الأمراء غلول، وحديث ابن اللتبية عامل النبي – ﷺ – على الصدقة وما قاله النبي – ﷺ – له حين قال له: "هذا لكم، وهذا أهدي إلي". "مشهور في الصحيحين".
"وكذلك (محاباة الولاة، والقضاة) في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة، والمضاربة، والمساقاة، ونحوها وهو من نوع الهدية، ولهذا شاطر عمر – ﵁ – من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه إمام عدل يقسم
[ ١ / ١٣٦ ]
بالسوية. فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه ولا يحرم عليه ما أباح الله له، وقد يبتلى (الناس من الولاة) بمن يمتنع من الهدية ونحوها، (ليتمكن بذلك) من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله تعالى عليه من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذ منه عوضًا عن كف ظلم وقضاء حاجة مباحة، أحب إليهم من هذا.
وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها، من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم، بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذلك ذوو الأغراض من القبط الكتاب ونحوهم في التوصل إلى أغراضهم"، وقد روى الإمام أحمد وأبو داود مرفوعًا: "من شفع لأخيه
[ ١ / ١٣٧ ]
شفاعة، فأهدى له عليها هدية فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا".
"فأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره"، "فإذا اجتهد ولي الأمر في صلاح دين رعيته، ودنياهم بحسب استطاعته، كان أفضل أهل زمانه، ومن أفضل المجاهدين في سبيل الله"، وثبت ملكه وطالته مدته واستقامت رعيته، وحفظ في نفسه وأهله وولده (بعد موته).
وقد روي: "يوم من إمام عادل، أفضل من / عبادة ستين سنة"، وفي مسند الإمام أحمد مرفوعًا "أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام
[ ١ / ١٣٨ ]
جائر"، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمساجد، إذا خرج منها حتى يعود إليها، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله (خاليًا ففاضت عيناه)، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا يعلم شماله ما تنفق يمينه".
فمن ولى ولاية، وقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دين الله، ومصالح المسلمين، لم يؤاخذه الله – ﷿ – فيما يعجز عنه، ولم تصل قدرته إلى دفعه،
[ ١ / ١٣٩ ]
وكان علي ﵁ إذا بلغه ظلم بعض عماله يقول: "اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك، ولا أن يتركوا حقك".
وقد روى أن الظلمة وأعوانهم وأشباههم يحشرون في توابيت من نار، ثم يقذفونهم في النار. نسأل الله السلامة.
ثم ينبغي للسلطان، أو الأمير، وكل ذي جاه، أن يتنبه لأمر عظيم، وهو أنه لا يجوز أن يحموا أحدًا من المفسدين بعد استحقاقه لإقامة الحد عليه، كأن يرتكب بعض الفلاحين أو العربان جريمة، ثم يلتجئ إلى كبير أو قرية صاحب جاه، فيحميه على الله ورسوله والمسلمين.
"ففي صحيح مسلم عن علي – ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا" "فكل من أوى محدثًا من هؤلاء، فقد خان الله ورسوله، وعليه لعنته"، "فإنه لا يجوز تعطيل حدود الله تعالى وإقامتها، وخصوصًا بعد ثبوتها على مستحقيها، لا بعفو، ولا بشفاعة، ولا هبة، ونحوها، ومن عطلها، وهو قادر على إقامتها فعليه لعنة الله والملائكة
[ ١ / ١٤٠ ]
والناس أجمعين"، وقال ﷺ: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، تعالى فقد ضاد الله في أمره".
"واتفق العلماء على أن قاطع الطريق، واللص وغيرهما، إذا رفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم بل تجب إقامته. وإن تابوا وكانوا صادقين في التوبة، كان الحد كفارة لهم"، "وإن كانوا كاذبين، فإن الله لا يهدي كيد الخائنين"، "وقال ﵇: "حد يعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا"، وذلك لأن المعاصي سبب لنقص الرزق، والخوف من العدو، كما دل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله، ونقصت معصيته وحصل الرزق والنصر.
ولا يجوز أن يؤخذ من القاتل، أو السارق، أو الزاني، ونحوهم مال يعطل به الحد، لا لبيت المال، ولا لغيره"، سرًا ولا علانية.
[ ١ / ١٤١ ]
ففي الأثر "إذا دخلت الرشوة من الباب، خرجت الأمانة من الكوة" "وهذا المأخوذ سحت حرام خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك، فقد جمع فسادين عظيمين:
أحدهما: تعطيل الحد.
والثاني: أكل السحت، بترك الواجب وفعل المحرم.
قال تعالى: ﴿لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون﴾.
قال تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾، أي وهو الرشوة التي تسمى البرطيل. وتسمى / وتستر بالهدية، ومتى أكل الحاكم السحت، احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها"، وخصوصًا أخذها لمن يمنع الحدود
[ ١ / ١٤٢ ]
بقدرته، ويعتاض عنها بسحت يأخذه من هؤلاء المجرمين المراقين [الدم] فكل ذلك حرام بإجماع المسلمين؛ لأنه سبب لترك الواجب وارتكاب الحرام.
واعلم أن في إقامة الحدود أصل كبير في مصلحة ولي الأمر والرعية.
"وفي تعطيلها فساد كبير؛ لأنه في الغالب يكون سببًا لفساد أمور المسلمين، وسقوط حرمة المتولي عليهم لسقوط قدره، وهيبته من القلوب، وانحلال أمره، ولأنه إذا ارتشى على ذلك، ضعفت نفسه أن يقيم حدًا آخر" نسأل الله العافية بمنه!.
ويتعين على السلطان، وغيره من ولاة الأمور ألا يستعين بأحد من اليهود، والنصارى في شيء من أعمال المسلمين مطلقًا ولو في الصرف في المال، وجبايته لما في ذلك من المفاسد والدسائس الكثيرة التي يخفى أكثرها على كثير من العقلاء؛ لأنهم أعداؤنا على الحقيقية، ولو وجدوا فرصة وقدرة على إزهاق أنفسنا، وأخذ أموالنا لما تخلفوا عنها، كما أخبر الله تعالى عند في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾.
وكفى بهذه الآية واعظًا لما ذكرته، والمراد بالبطانة: من يطلع على حال المسلمين، كالاطلاع على مقدار خزائنهم من المال، وأعداد جيشهم من الرجال.
فلا يقصرون بل يجتهدون في إيصال الفساد إليكم، ويودون ضرركم. وقال ﷺ: "اليهود والنصارى خونة لا أعان الله من ألبسهم
[ ١ / ١٤٣ ]
ثوب عز".
ولما فتحت الصحابة ﵃ مصر أرسل عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص يأمره بأمور منها:
أن لا يستعمل كافرًا في عمل من أعمال المسلمين، فأجابه عمرو بأن المسلمين إلى الآن لم يعرفوا حقيقة البلاد، ولم يطلعوا على مقادر خراجها وقد اجتهدت في نصراني (عارف بالبلاد)، منسوب إلى أمانة إلى حين معرفتنا بذلك، فنعزله، فغضب عمر. وقال: كيف نستأمنهم، وقد خونهم الله، وكيف نعزهم، وقد أذلهم الله، وكيف نقربهم، وقد ابعدهم الله، ثم تلا قوله تعالى: ﴿يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ الآية.
ثم قال في آخر الكتاب مات النصراني والسلام. وكان عمر – ﵁ – يقول: "لا تستعملوا اليهود والنصارى فإنهم أهل رشا في دينهم، ولا يحل
[ ١ / ١٤٤ ]
الرشا في ديننا".
ولما قد عليه أبو موسى الأشعري من البصرة، وكان بالمسجد استأذن لكاتبه، وكان نصرانيًا، فقال له عمر: قاتلك الله وضرب بيده على فخذه، وليت ذميًا على المسلمين، أما سمعت قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ هلا اتخذت حنيفًا مسلمًا. فقال يا أمير المؤمنين: لي كتابته، وله دينه فقال والله لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله محمد بن المنتشر أما بعد، "فإنه بلغني أن في عملك رجل يقال له حسان / على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
[ ١ / ١٤٥ ]
والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾.
فإذا أتاك كتابي هذا، فادع حسان إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا، ونحن منه، وإن أبا فلا تستعن به، ولا تأخذ من غير دين الإسلام على شيء من أعمال المسلمين، فقرأ الكتاب عليه، فأسلم، وكتب أيضًا إلى سائر عماله ألا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن.
فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة فكتب إليهم إن لم يكن في أهل القرآن خير فكيف يكون في غيرهم خير ولاسيما أهل الشرك.
قال بعض العلماء المتأخرين من الشافعية: والعجب أنه لا يعرف في إقليم من الأقاليم، من المشرق إلى المغرب، توليتهم أمور المسلمين، إلا في إقليم مصر خاصة،
[ ١ / ١٤٦ ]
فيا لله العجب ما بال هذا الإقليم من دون سائر أقاليم المسلمين، هذا مع أنه من أعظم أقاليم الإسلام، وأوسعها عالمًا، وأكثر علمًا، وفي استخدام الكفار من المفاسد العظيمة، والأمور القبيحة، والأحوال الشنيعة ما لا يرضاه العدو لعدوه، خصوصًا أن يرضاه المسلمون لأمة محمد ﷺ.
قلت: وقد ألهم الله سبحانه هذه القربة لسلطاننا في هذا الوقت الملك الظاهر خشقدم أعز الله أنصاره؛ فأمر بإزالة هذه المفسدة العظيمة، ومنع من استعمال أهل الذمة في شيء من أعمال المسلمين تأسيًا بالملوك العادلين، وأسلم بسبب ذلك منهم جماعة ببركة نيته الصالحة، ونسأل الله من فضله استمرار هذه النعمة على أمة محمد ﷺ إلى أن تقوم الساعة. ويتعين على كل عاقل من سلطان [أو] صاحب ولاية، أو منصب، أو رياسة، ألا يغتر بنعمة الله عليه وحلمه عنه، وإمداده له، واستدراجه بحيث ينسى أمر
[ ١ / ١٤٧ ]
الآخرة رأسًا فلا يذكر لطول أمله، وتخوله في نعم الله تعالى، واغتراره بدار الفناء، معتقدًا أن ما هو فيه مما يستحقه على الله، وأنه لذلك أهل دون غيره.
فمئال هذا المغرور المفتن في دينه ودنياه، إلى نفس واحد يخرج منه، ثم لا يعود إليه، فيندم حيث لا ينفعه الندم، ويأتيه ذلك بغتة، وهو مستغرق في لذاته، ولا يمكنه من تدارك شيء فاته، بل يجب أن يكون يقظًا بصيرًا، يحاسب نفسه كل وقت على ما وقع من هفواته، ويستغفر الله تعالى ويتوب إليه من كل ذنب، ويتفكر في حاله، وما يصير إليه لخير أم لشر، ويتدبر قوله: ﷺ: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".
وينبغي للسلطان خصوصًا أن يحسن إلى رغيته ما استطاع، ويكف ظلمه عنهم، ليكون ذلك سببًا لانقيادهم إليه، وانعطاف قلوبهم عليه؛ فلعل أن يصادفه دعوة من ولي منهم، أو عالم، أو صالح، أو مظلوم، أزال ظلامته، فإنها مستجابة منهم فيفلح في دنياه، وآخرته، "ومتى اهتمت ولاة الأمور بإصلاح دين الناس، صلح للطائفين دينهم ودنياهم، والا اضطربت الأمور عليهم، وملاك ذلك كله / حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه فإن الإخلاص، والتوكل جماع صلاح (الخاصة والعامة). كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿إياك نعبد وإياك
[ ١ / ١٤٨ ]
نستعين﴾ فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء.
وقد روي أن النبي – ﷺ، كان مرة في بعض مغازيه، فقال: "يا مالك يوم الدين غيان نعبد وإياك نستعين"؛ (فجعلت الرؤس تندر عن كواهلها) فأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة ثلاثة أمور:
أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.
الثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع، والمال الذي هو الزكاة.
الثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب، ولهذا جمع الله في كتابه بين الصلاة والصبر كثيرًا، وبينها وبين الزكاة أكثر، والقيام بهذه الثلاثة يصلح حال الراعي والرعية".
ثم إن من وظائف السلطان بخصوصه أمور منها:
تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، فإن الله سبحانه لم يوله على المسلمين؛ ليكون عظيمًا آكلًا شاربًا مستريحًا، بل لينصر دين الله، ويعلي
[ ١ / ١٤٩ ]
كلمته، فمن حقه ألا يدع الكفار يكفرون بأنعم الله تعالى، ولا يؤمنون بالله ولا برسوله.
"فإذا رأيت ملكًا تقاعد عن هذا الأمر، وولاه ظهره، وأخذ يظلم المسلمين، ويأخذ أموالهم بغير حق، ثم سلبه الله نعمته فجاء يعتب الزمان، ويشكو الدهر. أفليس هو الجاني على نفسه؟!، وقد كان يمكنه بدل أخذ أموال المسلمين وظلمهم، أن يقيم جندًا في البحر، يتلصصون أهل الحرب الكفار ويأخذون أموالهم، التي هي من أحل الحلال له، وللمسلمين؛ فإن كان ملكًا شجاعًا ناهضًا فليرنا همته في أعداء الله الكفار، ويجاهدهم ويعمل الحيلة في أخذ أموالهم جلاء وبلاء، ويدع عنه أذية المسلمين، ويتشبه بمن فعل ذلك من الملوك العادلين.
"ومنها أن ينظر في الإقطاعات، ويضعها مواضعها، ويستخدم من ينفع المسلمين، ويحمي حوزة الدين، ويكف أيدي المعتدين، فإن فرق الإقطاعات على مماليك، اختارها وزينها بأنواع الملابس والزراكش المحرمة، وافتخر بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الناس جياعًا في بيوتهم، ثم سلبه الله نعمته، أفليس هو الجاني على نفسه بحمقه".
"ومنها الفكرة في العلماء، والفقراء، وسائر المستحقين، وتنزلهم منازلهم وكفايتهم من بيت المال الذي هو في يده أمانة عنده، ليس هو فيه إلا كواحد منهم"،
[ ١ / ١٥٠ ]
وحكى الغزالي أنه يعطى لحافظ القرآن المشتغل بالعلم في كل عام مائتي مثقال ذهبًا، وفي بعض كتب الحنفية أنه يعطي للمشتغل بالعلم، في كل سنة خمسون مثقالًا من الذهب.
قال أبو الليث: من حفظ القرآن كان حقه في بيت المال في كل سنة مائتي دينار، وألفي درهم إن حرم في الدنيا لم يخرم في الآخرة وإن حفظ نصف القرآن فله النصف من ذلك.
"فإن ترك العلماء، والفقراء جياعًا في بيوتهم يبيتون ومنهم من يطوي الليلة / والليلتين هو وعياله. وهو في غفلة عن ذلك، مقبل على شهواته، ومحاسن سماطه، وزينته ولباسه ولباس حاشيته، فذلك أحمق جهول، وإن ضم مع ذلك أنه استكثر على الفقهاء ما بأيديهم من الرزق، وتعرض لأوقاف وقفها أهل الخير ممن (تقدمه عليهم)، فهو بلاء على بلاء بل من حقه أن ينظر مع ذلك في مصالحهم، ولا يكلهم إلى تلك الأوقاف، ويرزقهم من بيت المال ما يتم به كفايتهم"، ومن لم يكن له شيء في ذلك قرر له ما يستحقه ويقوم بكفايته.
[ ١ / ١٥١ ]
فإن تعرض لتلك الأوقاف، وباعها بالبراطيل أو وضعها في غير مستحقها، فقد خرق حجاب الهيبة. فما يكون جزاؤه؟
قال جامعه: ووالله إني لم أزل متعجبًا كل العجب من ولاة الأمور في زماننا، ومن ضاهاهم كيف يستكثرون على الفقيه أقل قليل من الرزق، ويرون أنه لا يستحق شيئًا من مال الله، الذي جعله بأيديهم، مع ما خولهم الله فيه من النعم التي لا يحصى عدها، فترى رزق أكبر فقيه في اليوم أو الشهر لا يصل إلى مقدار رزق أقل مملوك لهم، أو عبد أو غلام مع ما ينال الفقيه في تحصيل ذلك القليل، الذي هو من فضلات أرزاقهم من المشقة، والذل، والسؤال لمن ليس أهلًا للخطاب، ولا السلام، وترى رزق هؤلاء ونحوهم محمولًا لهم، مهنأ موفرًا ميسرًا غير محسودين عليه، آخذين له مع العز والقهر، معتقدًا أكثرهم أن ذلك مما يستحقه دون غيره لكرامته عند الله.
هذا مع أن الفقيه هو السبب لجعلهم مسلمين ملوكًا في الدنيا، لأنه فاتحة كل خير يحصل لهم من نعيم الدين والدنيا، فإنه أول من يلقنهم الإسلام، وكلمتي الشهادة، ويعلمهم آداب الدين، وفرائضه من وضوء وصلاة وقراءة قرآن، وغير ذلك، ويعلمهم الكمالات الإنسانية التي يصيرون بها أهلًا لما (أهلهم الله له).
أما علم هو أنهم لا يرزقون، وينصرون إلا بهم، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "إنما تنصرون، ويرزقون بضعفائكم". فالعلماء الصالحون هم الذين يحمون الشريعة، ويقيمون الدين، وهم صلاح الدين والدنيا،
[ ١ / ١٥٢ ]
وهم المشار إليهم بقوله ﷺ: "ولن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك"، وإن سهام أدعيتهم صائبة لا ترد، وأنفاسهم الزكية محرقة لا تصد وهم أولياء الله على الحقيقة.
قال الشافعي: "إن لم يكن العلماء العاملون أولياء الله، فليس لله ولي".
وقال ﷺ: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"؛ أي أعلمته وأنذرته بوقوع محاربتي له. نسأل الله اليقظة والسلامة.
فتفكرت في ذلك كثيرًا، ثم ظهر لي أن الحكمة فيه والله أعلم، هو الحفظ، والحماية لهذه الطائفة الذين هم أهل الله وخاصته، عن التبسط به في الدنيا الفانية، بهذه الأموال الخبيثة أو المشتبهة الحال المحاسب عليها والمعاقب في الآخرة وليعتمدوا على ما أعده الله لهم في دار الآخرة من النعيم المقيم السرمدي ورفع الدرجات لهم / فوق كثير من خلقه. فنبغي للعاقل ألا يأسف ولا يحزن على ما فاته
[ ١ / ١٥٣ ]
من ذلك في الدنيا، ويعلم أن ذلك هو الخير الأصلح في حقه، والدليل على محبة الله تعالى له، ويسأل من الله سبحانه الصبر، والإعانة، والتوفيق لما يحب ويرضى.
"ومنا بيت مال المسلمين. وقد قدر الشارع المصارف فيه، وجعل لكل مال أقوامًا وقدرًا، فإن تعدى هذا كله وصرفه في شهواته ولذاته، وظن أن الملك عبارة عن ذلك، فلا يلوم إلا نفسه. وإذا جاءه سهم من قبل الله، فلا يستوحش، وإن أخذ يصرف أموال المسلمين على خواصه، ومن يريد استمالة قلوبهم إليه لبقاء ملكه، لا لإعزاز دين الله، وأعجبه مدائح الشعراء لكرمه فذلك خسف، وقد امتلأت التواريخ ممن كان يهب الألوف للشعراء، والألوف للماليك، والألوف للمغاني وأرباب الملاهي، وكل ذلك وبال على صاحبه".
"فقد قال السيد علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – والخزائن مملوءة بين يديه -: "من يشتري مني سيفي هذا؟ ولو وجدت رداءً استتر به ما بعته". ومثل هذا كثير عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين مملوءة بها الدواوين، ولسنا نطالب أهل زماننا بسيرة أولئك الماضيين؛ فإنهم لا يصلون إلى هذا المقام، ولكن نذكرهم بذلك، لعلهم يرجعون، أو يقصرون ويعتبرون، فلا بد في الذكرى من نفع إن شاء الله تعالى".
[ ١ / ١٥٤ ]
ومنها النظر في أمر الدين من إقامة الشعراء من الأذان، والصلوات، والصوم، والحج، والزكوات، ونحو ذلك، على أكمل الوجوه وأتمها، ومراعاة خلاف الأئمة الأربعة في أدائها وعلى الوجه الأكمل عندهم، ومن الملوك ونحوهم كالأمراء، والكتاب من تسول له نفسه، ويحسن له حدسه ليعمر الجوامع والمدارس والترب، ويبالغ في زخرفتها، وإنفاق الأموال الكثيرة فيها وهي من أموال المسلمين التي جعلها الله في يده أمانة، فيضعها ظانًا أن ذلك من أعظم القرب، (فينبغي أن يعرف هذا المغرور) أن للنفس، والشيطان في ذلك دسائس خفية كثيرة فمنها: أن يبعد أن يكون مخلصًا لله في بنائها؛ لأنا نرى ما يفعله أكثرهم في زماننا، إنما هو لشياع الاسم. ويقال: هذا جامع فلان، وللوقف عليها في ظاهر الحال كثيرًا، ليحفظوا ذلك بجاه الوقف لأنفسهم وأولادهم.
[ ١ / ١٥٥ ]
ومنها: ما يحصل في بنائها في هذه الأزمان من كثرة الظلم، لجميع الصناع، وأصحاب المؤن وخراب بيوت الناس المجاورة لها، وما ينضم إلى ذلك من مفاسد لا تحصى كما هو مشاهد. وإنهم لأحق بقول القائل:
ومطعمة الأيتام من كد فرجها … فليتك لا تزني ولا تتصدق
"وينبغي أن يفهم مثل هذا الباني أن إقامة جمعتين في بلد لا يجوز عند الشافعي وأكثر العلماء؛ فإن قال قد جوز ذلك بعضهم، فقل له: إذا فعلت ما هو واجب عليك عند كل العلماء، فافعل حينئذ الجائز عند البعض.
وأما أنه يترك ما نهى الله عنه أو أمر به، ويريد أن يعمر الجوامع بأموال الرعايا؛ ليقال: هذا جامع فلان، والله، لن يتقبله الله ابدًا، فإنه ﷾ "طيب لا
[ ١ / ١٥٦ ]
يقبل إلا طيبًا". ومن أقبح / البدع المحرمة تقبيل الأرض بين يدي الملوك، فإن كان سجودًا بأن لاقى بجبهته الأرض".
"قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: "فسواء كان إلى القبلة أو غيرها، وسواء قصد السجود لله تعالى، أو غفل هو حرام. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر أو يقاربه. وسئل ابن الصلاح عن هذا السجود فقال: هو من عظائم الذنوب، ويخشى أن يكون كفرًا".
وفي بعض كتب السادة الحنفية: أنه يكفر مطلقًا، وبعضهم قال: إن أراد التحية، فهو حرام، وإن لم تكن له نية كفر عند أكثرهم.
"ثم على السلطان أن يشكر نعمة الله عليه بالولاية، والملك، وأن يعرف أن نفسه وأحد الرعية سواء، لم يتميز عنهم بنفسه، بل بفعل الله تعالى الذي لو شاء لأعطاهم ومنعه، فإذا كان قد أعطاك ذلك ومنعهم، فما ينبغي لك أن تتمرد عليهم وتستعين بنعمه على معاصيه، وإذا خلفه فلا أقل من أن يجتنب أذاهم ويكف عنهم شره، وبجانب
[ ١ / ١٥٧ ]
الهوى والميل والغرض.
فنعمة الولاية (لا تطلب منه) غير ذلك. ولو ترك الناس هملًا (يأكل بعضهم) بعضًا وجلس في قصره، يصلي ويبكي على ذنوبه لكان مسيئًا على ربه، فإنه سبحانه لم يطلب منه أن يتهجد بالليل ولا أن يصوم النهار، وإنما يطلب منه ما ذكرناه ولعلك تقول: إن قمت بحقوق الرعية وقصرت في حق الله تعالى هل أنا محمود؟ فاعلم أنك محمود من تلك الجهة، مذموم من هذه، ويخشى على من زاد في التقصير في جانب الله تعالى أن يظلم قلبه ظلامًا يورث الطبع على قلبه، وينشأ عن التقصير في تلك الجهة الأخرى، فيصير مذمومًا في الجهتين".
ومن رشيق عبارات الإمام الشافعي – ﵁: "من ضيع حق الله فهو لما سواه أضيع" وعليه بل على كل ولي أمر أن يشاور في أموره المهمة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه – ﷺ – فقال: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.
وعن أبي هريرة: لم يكن أحد (أكثر مشورة) لصحابه من رسول الله – صلى
[ ١ / ١٥٨ ]