وقد أفرد جماعة من العلماء كتاب القضاء بالتصنيف، وكتب الفقه مشحونة بما يتعين للقاضي وعليه، ولكنا نشير ها هنا إلى عيون من ذلك فنقول: ينبغي أن يعلم أن القاضي لغة: اسم لكل من قضى بين اثنين، أو حكم بينهما سواء سمى خليفة أو سلطانًا أو نائبًا، أو واليًا؛ حتى من يحكم بين الصبيان، في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله ﷺ ولكنه غلب في العرب على المنصوب من جهة الإمام، ليقضي بالشرع أو نائبًا له وعليه أمور:
منها؛ عدم قبوله الهدايا؛ فإنها من أقبح النتائج به فليسد بابها بالكلية.
"وقد علم أن مذهب الشافعي ﵁، أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل الهدية، ممن لم تكن له عادة أن يهاديه قبل ولايته القضاء، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له حكومة.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومذاهب العلماء في المسألة معروفة".
وروى إبراهيم الحربي عن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبها وصيفًا فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: "من رد عن مسلم مظلمة فرزقه عليها قليلًا، أو كثيرًا فهو سحت فقلت: يا ابا عبد الرحمن [ما كنا] نرى السحت إلا الرشوة [في] الحكم قال: ذلك كفر".
"ومما يتعين عليه تفهيم الملك الحكم الشرعي فيما ينهي من الوقائع ومناضلته
[ ١ / ٢٠٢ ]
عنده عنها، وإفهامه أن ذلك هو الدين الذي إن حاد عنه هلك، وإن اعتمده نجا".
"ومنها: أن ينظر في أمر الأوقاف، والمستحقين من المشتغلين / والمحتاجين وغيرهم، وهذا يخص قاضي الشافعية ببلادنا، البلاد الإسلامية؛ لأنه كبير القضاة، وله النظر العام في الأوقاف وغيرها، فهو بذلك أمس".
قال الشيخ تاج الدين السبكي: "ومما هونت بعض القضاة فيه الأمر الحكم بالصحة، فتراهم يقدمون عليه بمجرد ثبوت العقد والملك والحيازة، وكان الشيخ الإمام - يعني والده - رحمه الله تعالى - يشدد النكير في ذلك، ويذكر للصحة المطلقة عنده اثنين وعشرين شرطًا: ككون المبيع - مثلًا - طاهرًا منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه، مملوكًا للعاقد، ولمن يقع العقد له، مرئيًا رؤية لا تتقدم على العقد بزمان يمكن التغيير فيه معلومًا، وكل واحد من البائع والمشتري كونه بالغًا عاقلًا رشيدًا، مختارًا غير محجور عليه في تلك السلعة المبيعة، وكون الثمن المعين مستجمعًا شروط المبيع، وأما الذي في الذمة فالعلم بقدره، ووصفه، وكون العقد بإيجاب، وقبول لا يطول الفصل بينهما، ولا يقترن به شرط مفسد، وأن ينقضي الخيار الحال على ذلك، والدعوى والإنكار (وإقامة البينة بما ليس بظاهر وجوده) من هذه الأشياء وسؤال الحكم، وحضور المحكوم عليه، أو وكيله، أو المنصوب عنه، قال: فهذه عشرون شرطًا قال: والإعذار مختلف فيه. ووصيتي لكل قاضٍ أن لا يحكم إلا به ولا
[ ١ / ٢٠٣ ]
يحكم بعلمه، بل بالبينة.
وفي اشتراط العلم بالملك خلاف معروف فيما لو باع مال أبيه على ظن حياته فبان ميتًا؛ فإن شرطناه فهي اثنان وعشرون شرطًا قال: وأما الصحة بالنسبة إلى المتداعين في شيء كما إذا ادعى أحدهما أنه غير مرئي.
وكان الحاكم لا يرى اشتراط الرؤية، فيحكم عليه بالصحة مع عدم الرؤية؛ لأنه مذهبه، ولم يحصل النزاع إلا فيه.
فهذا حكم بصحة مقيدة لا بصحة مطلقة، فلا يمنع حاكم آخر من الحكم بفساده من جهة أخرى".
وقال الشيخ الإمام العلامة الحافظ "ولي الدين أحمد بن الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي" تغمدهما الله برحمته في ما جمعه على الحكم بالصحة
[ ١ / ٢٠٤ ]
والحكم الموجب والفرق بينهما.
"وقد عهدنا الحكم على طريقة في الحكم بهما، وهي أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به، حكم بصحته، وإن لم تقم البينة باستيفاء شروطه حكم بموجبه.
فالحكم بالموجب – عندهم أحط مرتبة من الحكم بالصحة"، إلى أن قال: "وما نقلته من عمل الحكام يدل على أن الحكم بالموجب لا يزيد على الثبوت بالمجرد شيئًا، لكن ما زالوا يرون الحكم بالموجب تمييزًا على مجرد الثبوت والله أعلم.
قلت وهذا المصنف المذكور نفيس مفيد، وقد قرأته بحمد الله بحثًا على تلميذ مصنفه شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي أطال الله في
[ ١ / ٢٠٥ ]
عمره وأجازني بإقرائها بحثًا، وروايتها بحث قراءته لها على مؤلفها / وإجازته له كذلك.
"ومن كلام الشيخ الإمام تقي الدين السبكي تغمده الله برحمته في وصية أخرى للقضاة بعد أن ساق فيها حديث "القضاة ثلاثة رواه أصحاب السنن بلفظ واحد في الجنة، واثنان في النار؛ قاض قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة، وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، وقاض قضى بغير الحق فهو في النار". ما نصه:
"تنبه أيها القاضي لما أنت فيه من الأخطار، وطب نفسًا إذا حكمت بحق، وبعلم لله، تعالى، وإلا فلا – لا. واعلم أن الحلال بين، وهو الذي تجده منصوصًا عليه في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه – ﷺ، أو مجمعًا عليه، أو عليه دليل جيد غير ذلك من سائر الأدلة الراجعة إلى الكتاب والسنة، بحيث ينشرح صدرك بأنه حكم الله تعالى. فهذا حكمك به عبادة تثاب عليه".
"وينبغي لك أن تقصد به وجه الله تعالى، ولا يكون حكمك به لمخلوق، ولا لغرض من أغراض الدنيا فبذلك تكمل العبادة فيه، وتنال الأجر من خالقك.
وإن حكمت به لغرض من أغراض الدنيا صح الحكم، ولكن لا يكون فيه أجر،
[ ١ / ٢٠٦ ]
وما سوى هذا فهو على درجات:
إحداها: أن تحكم بذلك من غير قصد القربة، ولا غرض من الأغراض الدنيوية، فهذا خير من القسم الذي قبله، ولكن يظهر أيضًا أنه لا أجر فيه؛ لعدم قصد القربة.
واعلم أنه لا يشترط وجود قصد القربة عند كل حكم، بل يكتفى به في أصل ولاية القضاء، لأنه قد يشق استحضاره في كل حكم فيكتفي به عند الدخول في أوله، كما اكتفى بنية المجاهد في أول خروجه.
الرتبة الثالثة: أن يكون الحكم مختلفًا فيه، وحصل لك ما يجوز الإقدام على الحكم به من الأدلة الشرعية مع احتمال يمنع من انشراح الصدر له الانشراح الكلي.
فهذا جائز والأجر فيه دون القسم المجمع عليه؛ لأن المصلحة في المجمع عليه أتم، فالعبادة فيه أكمل".
[الرتبة] الرابعة: أن تحصل شبهة تمنع من غلبة الظن بأن ذلك حكم الله تعالى؛ فلا يحل لك الحكم.
الخامسة: أن يعتقد أنه خلاف حكم الله تعالى، فلا يحل الحكم وإن كان بعض العلماء قال به.
السادسة: أن يكون مجمعًا على أنه ليس بحكم الله تعالى، فلا يحل الحكم أصلًا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
واعلم أن الرتبتين الأخيرتين ما أعلم أحدًا يقدم عليهما إن شاء الله تعالى.
والرتبة الرابعة: قد يكون عن قيام الشك، ومخالجة الاحتمال. قد تسول لك نفسك، أو الشيطان، أو أحد من الناس الإقدام على الحكم لغرض من الأغراض، ويسهل عليك لأنك لم تجزم بالتحريم، فإياك أن تقدم على الحكم، ثم إياك".
فائدة:
ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية أن نظر القاضي يشتمل على عشرة أحكام، وينبغي لكل قاض الاعتماد والعمل بكتاب الشيخ الإمام: شيخ الإسلام وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، الذي كتبه لبعض نوابه يوصيه فيه بأمور، لما ولي القضاء بالديار المصرية. وكذا رسالة قاضي القضاة جلال الدين
[ ١ / ٢٠٨ ]