وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس، وتفهيمه للحاضرين. ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدربهم، ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات بل يدخل بهم في المشكلات الفقهية، ويخوض بهم في عبابه الزاخر، ومن أقبح المنكرات مدرس يحفظ سطرين أو ثلاثة من كتاب، ويجلس يلقيها ثم ينهض، فهذا المدرس إن كان لا يقدر على غير هذا القدر فهو غير صالح للتدريس.
ولا يحل له أن يتناول معلومه، وقد عطل الجهة؛ لأنه لا معلوم لها. وينبغي أن لا يستحق الفقهاء المنزلون معه معلومًا؛ لأن مدرستهم شاغرة من مدرس. وإن كان يقدر على أكثر منه، ولكنه يسهل، ويتأول فهو أيضًا قبيح؛ لأن هذا يطرق العوام إلى روم هذه المناصب، فقل أن يوجد عامي لا يقدر على حفظ سطرين.
ولو أن أهل العلم صانوه، وأعطى المدرس منهم التدريس حقه: فجلس، وألقى
[ ١ / ٢٢٣ ]
جملة صالحة من العلم، وتكلم عليها كلام محقق عارف، وسأل وسئل، واعترض وأجاب، وأطال وأطاب: بحيث إذا حضره أحد من العوام، أو المبتدئين، أو المتوسطين، فهم من نفسه القصور عن الإتيان بمثل ما أتى به، وعرف أن العادة ألا يكون مدرس إلا هكذا والشرع كذلك، لم تطمح نفسه إلى هذه المرتبة، ولم تطمع العوام في أخذ وظائف العلماء" "وأما المعيد فعليه قدر زائد على سماع الدرس ونفعهم، وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة، وإلا فهو والفقيه سواء".
وأما المفيد: فعليه أن يعتمد ما يحصل به في الدرس فائدة، من بحث زائد على بحث الجماعة، أو نقل فائدة، لم يقفوا عليها، أو مسألة غريبة ونحو ذلك، وإلا ضاع لفظ الإفادة وخصوصيتها، وكان أخذه العوض في مقابلتها حرامًا".
"وأما المنتهي من الفقهاء: فعليه / البحث والمناظرة فوق ما على من دونه؛ فإن هو سكت وتناول معلوم المنتهى لكونه في نفسه أعلم من الحاضرين، فما يكون شكر نعمة الله حق شكرها".
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأما "فقهاء المدرسة: فعليهم التفهم على قدر أفهامهم، والمذاكرة مع أقرانهم، والمواظبة على الدرس إلا لعذر شرعي. ومن أقبح ما يركبونه تحدث بعضهم مع بعض في أثناء قراءة الجزء من الربعة، فلا هم يقرءون ولا هم يسلمون من اللغو في الكلام، فإن انضم إلى ذلك أن قراءة الجزء شرط الواقف عليهم، وأن يكون حديثهم غيبة فقد جمعوا محرمات، ومنهم من لا يصغى للمادح، ولا يلتفت لما يقوله المدرس، بل ربما فتح كتابًا ينظر فيه أو جلس بعيدًا عنه بحيث لا يسمعه، فهذا لا يستحق شيئًا من المعلوم، ولا يفيده أن يطالع في كتاب، فلو اكتفى الواقف منه بذلك لما شرط عليه الحضور للدرس".
وأما "قارئ العشر: فينبغي أن يقدم قراءته قبل الدرس وعقيب فراغ الربعة إذا كان الدرس فيه ربعة تدور، كما هو الغالب، وأن يقرأ آية مناسبة للحال".
وأما "المنشد: فينبغي له أن يذكر من الأشعار ما هو واضح اللفظ، صحيح المعنى، مشتملًا على مدائح سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى ﷺ وعلى ذكر الله تعالى، و(على آلائه) وعظمته، وذكر الموت وما بعده؛ فكل ذلك حسن. وأهمه مدح النبي ﷺ فإنه الذي يفهم من إطلاق لفظ المنشد، فإن اقتصر على ذكر أبيات غزلية، أو حماسة فقد اساء، لا سيما
[ ١ / ٢٢٥ ]
إذا كان في مجامع العلم".
وأما "كاتب الغيبة: على الفقهاء: فعليه اعتماد الحق، وألا يكتب على كل من لم يحضر، ولكن عليه أن ينظر في سبب تخلفه، فإن كان له عذر بينه وإن هو كتب على غير بصيرة، فقد ظلمه حقه. وما يفعله بعض كتاب الغيبة في زماننا من الكتابة على من حضر ومسامحة من لم يحضر لجاه، وغرض دنيوي، فحرام بإجماع المسلمين، وإن سامح بعضهم لمجرد حطام يأخذه من الفقيه، أو الصوفي فهو على شفير جهنم".
وأما "خازن الكتب: فحق عليه الاحتفاظ بها، وترميم شعثها، وحبكها عند الاحتياج والضنة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وأن يقدم
[ ١ / ٢٢٦ ]
في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء، وكثيرًا ما يشترط الواقف ألا يخرج الكتاب إلا برهن محرز قيمته، وهو شرط صحيح معتبر، فليس للخازن أن يخرجه إلا برهن، صرح به القفال في الفتاوى، والسبكي في تكملة شرح المهذب وذكر أنه ليس هو الرهن الشرعي.