وكان قديمًا بديار مصر فبطل بعد موت الظاهر برقوق وإلى وقتنا هذا.
فعليه إن وجد مثل ما على السلطان، ويزداد أن من حقه مراجعته إذا أمر بما يخالف الشرع، أو المصلحة، والإكثار من تفقد حال الرعية؛ صغيرهم وكبيرهم، جليلهم وحقيرهم، غنيهم وفقيرهم، والنظر في القرى، والغلات،
[ ١ / ١٦٢ ]
وإيصال الحقوق إلى مستحقها من ذوي النهضة والكفاية، والحاجة وتولية المناصب لأهلها.
فإن اعتذر بأن الزمان لا يمكنه من ذلك، فقل له ولأمثاله: أنتم مطالبون من كل ما نأمركم به بما تصل إليه قدرتكم، فعليكم الجد، والاجتهاد، والله الموفق المعين.
ومن حقه إقامة فقيه في كل قرية لا فقيه فيها، يعلم أهلها أمر دينهم، ومن العجب أن أولياء الأمور يستخدمون في كل حضر أو سفر يسافرونه طبيبًا بمعلوم كثير من بيت المال، ولا يتخذون فقيهًا يعلمهم دينهم بأقل من ذلك بكثير، وما ذاك إلا لأن أمر أبدانهم أهم عندهم من أمر أديانهم، نعوذ بالله من الخذلان.
ومنها إلقاء مقاليد الأحكام إلى الشرع الشريف فإنه لا حاكم إلا الله تعالى، وليس للعقول حكمًا. فحق على كل مسلم الرضا بحكم الله تعالى، والانقياد له، قال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون … الكافرون … الظالمون﴾ ".
"وإذا رأيت من يعيب على نائب السلطان انقياده للشرع، وينسبه بذلك إلى
[ ١ / ١٦٣ ]
اللين والرخاوة. فاعلم أنه يخشى عليه أن يكون ممن طبع على قلبه، وإن عاقبته، وخيمة، عند الله.
"ومنها دفع أهل البدع، والأهواء، وكف شرهم عن المسلمين"، فلا يمكنهم من إظهار بدعهم، وإشهارهما بين عوام المسلمين؛ فتفسد عقائدهم الصحيحة بتلك العقائد الفاسدة، ولا يسع الأمراء، ولا الملوك، في دين الله الصبر على من يسب الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ ويقذف أم المؤمنين عائشة ﵂، ويفسد عقائد أهل الدين، بل يجب عليهم الغلظة علي هؤلاء بحسب ما تقتضيه المذاهب".
قلت: ويرحم الله السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، لو لم يكن له من الفضل في الدنيا، إلا فتح بيت المقدس وقطع دابرة الرافضة الفاطميين بديار مصر، لكان (كافيًا له) عند الله في رفع درجاته في الجنة، "وهذه المذاهب الأربعة ولله
[ ١ / ١٦٤ ]
الحمد في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال أو التجسيم. وإلا فجمهورها على الحق؛ يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفًا، وخلفًا بالقبول، ويدينون الله برأي شيخ السنة أبي الحسن الأشعري الذي
[ ١ / ١٦٥ ]
(لم يعارضه إلا مبتدع) ".
"ومنها: النظر في أمر المفسدين من قطاع الطريق، وأهل الفتن كالعشران، والعربان بالغلظة، والتشديد عليهم، ولا يهمل أمرهم فيزداد فسادهم، وإن رأى تقليد بعض المذاهب في شدة تعزيرهم والمبالغة في عقوبتهم، وطول حبسهم فله ذلك، بشرط أن يكون الحامل له على ذلك المصلحة للمسلمين، ودفع الأذى عنهم، لا التشهي وحظ النفس، ومحبة شياع الاسم بالانتقام؛ فإن ذلك فن من الجنون؛ وقل أن يحصل للمسلمين نصرة على يدي من هذه نيته".
"ومنها: سفك دم من ينتقص جناب سيدنا (ومولانا وحبيبنا) محمد المصطفى ﷺ أو يسبه؛ فإن ذلك كفر، وردة.
وذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تقبل، واختاره طوائف من المتأخرين.
[ ١ / ١٦٦ ]
فإن كان من وقع (منه ذلك) ممن يتكرر منه، أو عرف بسوء العقيدة وشهدت القرائن فيه بالخبث الباطن، فرأى الشيخ الإمام تقي الدين السبكي وغيره ألا تقبل له توبة، ويسفك دمه من غير مراجعة".
"ومنها نظرهم في أمر داود أريتهم. فأكثر ما ينشأ فساد بابهم عنهم وهم غافلون.
فحق على نائب السلطان، ونحوه، إذا عرف أن ميزان بابه الدوادار، الاحتياط في أمره، وعدم الإصغاء إليه فيما يقوله؛ بل يستوضح الحال ويستكشفه من بطانة الخير عنده، فقد قال النبي ﷺ: "ما من ملك أو أمير إلا وله
[ ١ / ١٦٧ ]