وحق عليه ألا ينصب نفسه للإفتاء، إلا بعد تأهله، واستكماله لأدواته، وإلا فيكون غاشًا لنفسه وللمسلمين" وقد خص جماعة أدب الفتيا بالتصنيف ولكن ننبه على أمور يرتكبها [المفتون] في زماننا:
فمنها: "أن منهم من يسهل أمر الشرع ويتناهى أن يفتي ببعض ما لا يعتقده من المذاهب، ويرخص لبعض الأمراء والأكابر ما رخص فيه لعموم الخلق بعض العلماء، فيقول: مثلًا لمن سأله عن انتقاض الوضوء بمس الذكر: لا ينتقض عند أبي حنيفة، وعن لعب الشطرنج وأكل لحم الخيل حلال عند الشافعي، وعن مجاوزة الحدود في التعزيرات (جائز عند مالك) وعن بيع الوقف إذا خرب، وتعطلت منفعته ولم يكن له ما يعمر به حلال عند أحمد بن حنبل، وهكذا فليت
[ ١ / ٢٢١ ]
شعري: بأي مذهب أفتى هذا؟! وعلى أي طريقة جرى؟! وبأي إمام يتعلق؟! فلقد ركب هذا / المفتي لنفسه بمجموع هذه الأمور (مذهبًا لم يقله) أحد.
فإن قيل: أليس قد ذهب بعضهم إلى جواز تتبع الرخص؟ قلنا: ذلك على ضعفه لا يوجب إغراء السفلة بدين الله، وتخصيص الأكابر دون غيرهم. مع أن قائل ذلك لا يعتقده أيضًا، وهذا من علامة الاستهانة بدين الله تعالى؛ نعوذ بالله من الخذلان".
"ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها (تنكر المنكر) فتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ جزاها الله خيرًا غير أنها تبالغ فتذكر الأغلظ من المذاهب: لضعفة الإيمان من الأمراء، والعوام، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم، ومن حقهم الملاطفة، وسلوك الطريق الأوسط، وتسهيل ما في تسهيله".
فائدة: لمثل هؤلاء وتشديد ما ينبغي التشديد فيه مما يوصل إلى الخير، كل ذلك على
[ ١ / ٢٢٢ ]
مقتضى (الشرع الشريف، بحسب ما يراه المفتي لائقًا بالحال.
"ومنهم من يتسرع إلى الفتيا معتمدًا على) ظواهر الألفاظ، غير متأمل فيها فيوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في إثم كبير، وربما أدى ذلك إلى إيراقة الدماء بغير حق" واستحلال الفروج المحرمة، ونحو ذلك، نسأل الله السلامة مما يؤدي إلى ذلك بمنه وكرمه.