"ينبغي له أن أول ما يبدأ به من تعليم الصبي السور القصار من القرآن، بعد حذفه بمعرفة حروف المعجم، وضبطها بالشكل ويدرجه بذلك تلقينا، حتى يألفه طبعه، ثم يعرفه عقائد أهل السنة والجماعة، ثم أصول الحساب، وما يستحسن من المراسلات، والأشعار المستحسنة البليغة، وإذا أرادوا الرواح أمرهم بتجويد الخط على [٤٠/أ]
[ ١ / ٣٤٨ ]
المثال، ويكلفهم عرض ما أملاه عليهم حفظًا غائبًا لا نظرًا.
ومن كان عمره فوص سبع سنين أمره بالصلاة في الجماعة، ويأمرهم ببر الوالدين، والانقياد إليهما بالسمع والطاعة، والسلام عليهما وتقبيل أديهما عند الدخول، ويضربهم على إساءة الأدب، والفحش من الكلام، وغيره من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع، من أنواع اللعب، ولا يضرب صبيًا بعصًا غليظة تكسر عظمه، ولا دقيقة تؤلم الجسم، بل تكون وسطًا؛ ويتخذ مجلادًا عريض السير، ويعتمد في الضرب على اللوايا، والأفخاذ، وأسافل الرجلين؛ لأن هذه المواضع لا يخشى منها ضرر. ولا غائلة.
ولا ينبغي له أن يستعمل أحدًا منهم في حوائجه التي فيها عار على آبائهم، كنقل الزبل، وحمل الحجارة، ونحوها، ولا يرسلهم إلى داره وهي خالية لئلا تتطرق إليه التهمة، ولا يرسل صبيًا مع امرأة لكتب كتاب، ولا غيره.
فإن كثيرًا من الفساق يحتالون على الصبيان بذلك، ويكون السائق لهم إلى دور أهليهم ثقة أمينًا متأهلًا؛ لأنه يتسلمهم في الغدو والرواح، وينفرد بهم في الأماكن الخالية.
ولا يعلم الخط امرأةً، ولا جاريةً؛ لأن ذلك مما يزيد المرأة شرًا، حتى قيل: "إن المرأة التي تتعلم الخط مثل حية تسقى سما، ويمنع الصبيان من حفظ شيء من شعر
[ ١ / ٣٤٩ ]
ابن حجاج، والمعمار، ونحوهما من الأشعار السخيفة في الهزل، والمجون كديوان "صريع الدلاء، وابن سودون في زماننا، والأشعار التي عملها الروافض (في) أهل البيت رضوان الله عليهم. فلا يعلمهم شيئًا من ذلك، بل يضربهم عليه وينبغي له أن يكون من أكثر الناس تعظيمًا لشعائر القرآن، وهو مضطر إلى تحسين النية فيه أكثر من غيره (لأن الذي هو) حامله أصل كل خير، وهو من أعلى أعمال الآخرة؛ فيحفظ نفسه أن يجلس بنية استجلاب الرزق، وطلبًا لغرض الدنيا، فيدخل تحت الوعيد العظيم.
بل ينوي بذلك امتثال قوله ﷺ: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، والمراد بالخير هنا الآخرة؛ فإنه المقدم على أعمال الآخرة كلها.
إذ به يحصل الفتح لسلوك الطريق إلى الله تعالى؛ لأن أصل ذلك كله، معرفة
[ ١ / ٣٥٠ ]
الخط، والاستخراج، والحفظ، والضبط، والفهم للمسائل، ومفتاح ذلك كله المؤدب، فهو أول باب من التوفيق يدخله المكلف، فإذا جلس المعلم بنية أن يعلم آية لجاهل، أو يصحح صلاة مسلم بتعليمه الفاتحة، إلى غير ذلك من نفعه العام، للصغير والكبير عادت عليه بركة ذلك سرًا، وجهرًا، حسا، ومعنى.
روى القرطبي في تفسيره حديثًا / مرفوعًا: "خير الناس، وخير من [٤٠/ب] يمشي على جدير الأرض المعلمون، كلما خلق الدين جددوه أعطوهم، ولا تستأجروهم؛ فتحوجوهم؛ فإن المعلم إذا فإن المعلم إذا قال للصبي: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار.
"وينبغي أن يكون المعلم حسن العقيدة، خشية أن ينشأ الصبي على عقيدته، وهي فاسدة، فقد وقع لكثير ذلك، فيتعين على أبي الصغير، أو وليه الفحص عن عقيدة المعلم، قبل البحث عن دينه في الفروع، ثم البحث عن دينه في الفروع.
ومن حقه ألا يعلم الأطفال شيئًا قبل القرآن، ثم بعده حديث النبي ﷺ، ولا يتكلم معهم في العقائد؛ حتى يتأهلوا، ثم يأخذهم بعقيدة أهل السنة والجماعة، والأحوط له أن يمسك عن ذلك، وله تمكين الصبي المميز من كتابة القرآن في اللوح، وحمله، وحمل المصحف".
وينبغي له أن يكون سائر الصبيان عنده بمنزلة واحدة، وإن كان فيهم فقراء وأيتام؛ فلا يرجع ابن الغني على ابن الفقير في التربية والتعليم، وكذا ولد من أعطاء على
[ ١ / ٣٥١ ]
من منعه، فإن فعل ذلك، تبين صدق نيته.
وإذا كان عنده (أحد من أولاد من يتسبب بالحرام) من مكس، أو ظلم؛ فيتنزه عنه ما استطاع، ولا يأخذه، فإن أتى له به من وجه مستورٍ بالعلم؛ فلا بأس به؛ كأن يأتيه بشيء من قبل أمة، أو جدته، أو غيرهما.
وإذا أخذ العوض أن يكون بأجرة معلومة، وهو أحل ما يأكله لقوله ﵇: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
ويحذر أن يزيد في ذلك شيئًا من مال الصبي، ومن غير إذن وليه؛ فإنه حرام.
ويمنع الصبيان أن يأتي أحد منهم بغدائه إلى المكتب، أو فضة معه، أو فلوس، أو أن يشتري شيئًا في المكتب.
فإن (بهذا تتلف) أحوالهم، وينكسر خاطر الصغير الفقير، ويتألم قلبه لما يرى من سعة أولاد الأغنياء، بل يأمرهم بالمضي إلى بيوتهم، ليتغدوا، ويرجعوا، ففي ذلك ستر على الفقير، وتعليم الأدب للأطفال.
وينبغي له ألا يكثر الكلام مع من يمر عليه من أصحابه؛ لأن ما هو فيه أكد، وأن يكون مكتبه السوق، وبالشوارع، ونحوها في الدكاكين؛ لإظهار الشعائر، والبعد عن التهمة.
ويكره أن يكون بموضع ليس بمسلوك؛ فإن الفساد يسرع إلى الصبيان، وكثرة
[ ١ / ٣٥٢ ]
القيل والقال، وليحذر أن يتخذه في المساجد.
قال ﷺ: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم"؛ لأنهم ينجسون أرضها، وحصرها، ويؤذون حيطانها، ونحوها، وأن يعلم (الجميع) بنفسه إن أمكنه؛ فإن تعذر عليه، أمر بعضهم أن يقرئ بعضا بحضرته بين يديه، مع ملاحظتهم بالنظر بلا غفلة.
وقد كان السلف الصالح يقرئون أولادهم لسبع سنين، وهو زمن أمرهم بالصلاة، وتعليمها، وتعليم الآداب الشرعية، فإن الصبي (غالبًا يستقل فيه) والله الموفق.