عليهم تفقد حال مماليكهم وتعليمهم الآداب الشرعية، وكذا الأجناد والأتباع فيعلمونهم قراءة القرآن، أو شيئًا منه، وأمور دينهم، من وضوء وغسل، وصلاة
[ ١ / ١٩٠ ]
وصيام، وحج وزكاة، ونحو ذلك. ويعرفونهم بعد ذلك رمي النشاب، واللعب بالرمح والكرة، والصولجان، والمسابقة على الخيل؛ بحيث يعرفون الطعن والضرب، وآلات الحرب.
وبحثهم الأمير في المسابقة والمناضلة على الرهن؛ لتنبعث عزائمهم /، أو يبذل لمن غلب منهم شيئًا من الدنيا ليرغبه، والرهن في ذلك جائز.
ومن شرط العقد عليه أن لا يكون على صورة القمار، وإلا فهو حرام لا يلزم فيه العوض، وصورة القمار: أن يكون كل واحد منهما لا يخلو عن غنم، أو غرمٍ؛ مثل أن يخرج كل واحد منهما دينارًا مثلًا على أن من سبق منهما أخذ الدينارين جميعًا. فهذا حرام، إلا أن يكون هناك محلل؛ وهو ثالث يسابقهما بفرس كفئ لفرسيهما على أنه إن سبقهما أخذ الدينارين، وإن سبقاه لم يغرم شيئًا، وما تعتاده الأمراء في هذا الزمان من اللعب بالكرة والصولجان حال.
وينبغي أن يقصدوا به تعليم الخيل الإقبال، والإدبار، والكر، والفر". "وعلى الأمير إن سار بالجيش الرفق بهم، والسير على سير أضعفهم وتفقد خيولهم، وتقوية قلوبهم، وإعانتهم في مصالحهم.
ومن قبائح كثير من الأمراء أنهم لا يوقرون أهل العلم، ولا يعرفون لهم حقوقهم، وينكرون عليهم ما هم مرتكبون أضعافه.
[ ١ / ١٩١ ]
وما أحمق الأمير إذا كان مرتكبًا معصية، ووجد فقيها يقال عنه مثلها، أن يبغضه، ويعيبه، وينتقصه، وماله لا ينظر إلى نفسه مع ما خوله الله فيه من النعم! أليس هو [بشرًا] مثله غير معصوم، أو أن يعتقد أن المعصية حرام على الفقيه دونه، أما علم أن القبيح عند الله حرام بالنسبة إلى كل أحد. وربما كان الفقيه ما يستر قبيحه، وليس عند الأمير وراء ذلك القبيح إلا أمثاله من القبائح.
فمما يتعين على الأمير إذا أنهى إليه عن أحد من أهل العلم سوء أن لا يصدقه، بل يحسن الظن بهذه الطائفة التي لحومهم مسمومة، (ولقد استقرئ أنه ما أمير يغض من جانب الفقهاء وينقصهم، إلا وكانت عاقبته وخيمة، وسيرته ذميمة).
فإن تيقن على أحد منهم سوءًا، واتضح عنده كالشمس - ولن يصير ذلك إن شاء الله تعالى - فعلى الأمير بعد ذلك أن يتفقد نفسه؛ فإن كان هو أيضًا يفعل ذلك، فليعد على نفسه باللائمة، ويقول لنفسه: أنا أذنبت ذنبين؛ لأني جاهل مرتكب هذا القبيح، فكيف أؤاخذ من لا يذنب إلا واحدًا وأنا أنجس منه".
"وحكى أن فقيهًا وقع إلى بعض الأمراء، وهو سكران فأخذ يجلده، والأمير
[ ١ / ١٩٢ ]
أيضًا سكران، فلما قام الفقيه قال: رب اغفر لي وتب علي، وجاء إلى قاض فقال له: أقم (علي الحد) فإن الأمير فاسق لا تصح إقامته للحدود، فأهلك الله ذلك الأمير بعد أيام يسيرة، ومنها استكثارهم الأرزاق، وإن قلت - على العلماء، واستقلالهم الأرزاق - وإن كثرت - على أنفسهم.
وترى كثيرًا منهم يعيبون على بعض الفقهاء ركوب الخيل، ولبس الثياب الفاخرة، وهذه الطائفة يخشى عليها زوال النعمة عن قريب؛ فإنها تتبخر في أنعم الله تعالى مع الجهل والمعصية. وتنقم على خاصة خلقه يسيرًا مما هم فيه أفما يخشون ربهم من فوقهم، ولو اعتبر واحد منهم رزق أكبر فقيه لوجده دون رزق أقل مملوك عنده".
قلت: وينبغي أن ينقش على دوي الأمراء العادلين ما نظمه الإمام العلامة تاج الدني السبكي - تغمده الله تعالى برحمته - ما صورته /:
حلفت من يكتب بي … بالله رب العالم
ألا يمد مدة … تؤلم قلب عالم
"ومنها: ما يبدلونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من
[ ١ / ١٩٣ ]
أنواع الزراكش التي حرمها الله تعالى على ذكور هذه الأمة المحمدية، وزخرفة البيوت، سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين. وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة، تجده قناطير مقنطرة، لا يحصيها إلا الله تعالى، ففكر واحسب كم على وجه الأرض من طراز ومنطقة وكنبوش وسرج وسلسلة وحلي حرام؟ وكم يكون مبلغه إذا اجتمع وضرب نقدًا [يتعامل] به المسلمون؟. "فإنه لا بد في صياغة كل ذلك من ذهاب شيء، - وإن قل تأكله النار، وهو في الأبنية أكثر.
فإذا ضممت ذلك القليل إلى قليل آخر على الاختلاف في البقاع، والأزمان؛ لم يحصل ما ضاع من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلا الله، ثم ذاك القدر الذي يسلم، ولا يضيع عندهم محبوسًا، يتوارثونه جيلًا بعد جيل، ولو كان
[ ١ / ١٩٤ ]
(ذلك مضروبًا) سكة يتباذله المسلمون لانتفعوا به، ورخصت البضائع، وكثرت الأموال، ولكنهم احتجروا ذلك وضيقوا على المسلمين معايشهم فلله الأمر".
"ولما طلب الملك المظفر سيف الدين قطز شيخ الإسلام سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام بحضرة الملك الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاوون وغيرهما من الأمراء، وحادثه في الخروج إلى لقاء العدو من التتار، لما دهموا البلاد
[ ١ / ١٩٥ ]
ووصلوا إلى عين جالوت "فقال له الشيخ اخرج وأنا أضمن لك على الله النصر …
فقال: إن المال في الخزانة قليل، وأريد الاقتراض من التجار". فقال: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم، وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، ونفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفتهم، أنا أسأل لكم الله تعالى في إظهار كنز من الأرض يكفيكم ويفضل عنكم.
وأما أنكم تأخذون أموال (المسلمين والرعايا) بغير حق، وتخرجون إلى لقاء العدو، وعليكم مثل هذه المحرمات، وتطلبون من الله النصر، فهذا لا سبيل إليه فوافقوه. وأخرجوا ما عندهم ففرقه وكفى وخرجوا وانتصروا بمعونة الله تعالى".
"ومنها ركوبهم والجنائب تقاد بين أيديهم مسرجة غير مركوبة، ويجدون مع ذلك المحتاج المنقطع في الأسفار وغيرها ماشيًا، فلا يركبونه، وإنما يمشون بها للفخر والزينة والخيلاء لا للحاجة" "من حمل ضعيف، أو منقطع يرونه في الطريق، أما من قادها لأجل ذلك أو في الجهاد خشية أن فرسه يموت أو يعجز فهو حسن.
[ ١ / ١٩٦ ]
ومنه: أن الجندي يقاتل ويخاطر بنفسه فيقتل في الحرب كافرًا، فلا يعطونه سلبه.
والنبي ﷺ قد أعطاه إياه كما هو مشهور في الحديث الصحيح فيمنعونه حقه الذي أعطاه إياه سيد الأولين والآخرين ﷺ.
ويفترون بذلك عزائم الجند وتضعف هممهم.