"يتعين عليه أن يكون مسلمًا، دينًا، ثقة، عارفًا مجربًا، وعليه بذل النصح، والرفق بالمريض، / وإذا علامات الموت لا بأس أن ينبه على الوصية [٣٩/أ]
[ ١ / ٣٤٢ ]
بلطيف من القول، وله النظر إلى العورة إذا مست الحاجة، بقدر الحاجة.
وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض، واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكماله الأهلية"؛ "من الشباب وغيرهم. ولا يغتر عاقل بما معهم من الإجازات بصناعة الطب، والكحل، وغيرهما؛ فإن الشباب لم يحصل لهم كثير من الدربة والتجارب. والخطأ في هذين كثير، عظيم، إذ خطأ الطبيب بالقتل، والكحال بالعمى"، "ولقد أحسن بعض الشعراء بقوله حيث قال:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه … وبكحله الأحياء والبصراء
(فإذا نظرت رأيت من عميانه … أممًا على أمواته قراء)
"فيتعين على العاقل إذا احتاج لذلك، أن ينظر إلى الأصلح في الوقت من أطباء المسلمين، والكحالين في المعرفة، والتجربة، والدين. وألا يستعمل في ذلك أحدًا من (اليهود والنصارى)، فإنهم لا يرجى منهم نصح، ولا خير، بل يقطع بغشهم، وأذيتهم لمن ظفروا به من المسلمين لا يلون في ذلك جهدًا سيما إن كان كبيرًا في علمه أو دينه؛ فإنهم يتقربون بقتله ديانة.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومن القاعدة في دين اليهود، أن من نصح مسلمًا فقد خرج من دينهم، وأن من حلل السبت هدر دمه، وحل سفك دمه، وأخذ ماله". "ومن البلية أنا نشاهد بعض العلماء في عصرنا ممن يقتدي بهم يستطبهم مع تحققه منهم ما ذكرناه.
ويتعللون بما لا يجدي فيقول بعضهم: أنا لا أسكن إلى قولهم، بل أرجع إلى علمي ومعرفتي، ويكون قولهم تأنيسًا لي، ومع ذلك اضطلع عليه إن كان غشا أو نصحًا.
قال بعض العلماء الموفقين: وهذا ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أن إخوانه من المسلمين ممن لا يعرف العلم يقتدون به في استعمالهم.
وثانيهما: إنه لا يأمن الغفلة، من أن يدسوا عليه شيئًا من الأدوية ونحوها؛ فيكون سببًا لإهلاكه وهو لا يشعر ولهم في التوصل إلى دسائس كثيرة، فمن خبث أنهم
[ ١ / ٣٤٤ ]
لا يعطون المسلم [في] أول مرة شيئًا يضره في الظاهر من الأدوية، والعقاقير، خوفًا أن (يظهر غشهم وتنقطع) معيشتهم، ولكنهم يضيفون له ما يليق بذلك المرض، ويظهرون الصنعة فيه، والمبالغة في النصح؛ فيتعافى المريض؛ فينسبون إلى الحذق والمعرفة وتكثر طلابهم، ومع ذلك يدسوا في أثناء الحال حاجة، لا يفطن لها فيها من الضرر غالبًا، وفيها نفع من ذلك المرض، فينتعش قليلًا، ويبقى المريض بعدها مدة في صحة وعافية، ثم ينتقض عليه المرض؛ فيعود إليه الضرر في آخر الحال، وقد يدس حاجة أخرى، إن جامع بعدها، أو دخل الحمام انتكس ومات.
وإذا استعملها صح وقام من مرضه، وإذا مضى عليه مدة، عادت عليه بالضرر، وتختلف المدة في ذلك.
فمنها ما تكون سنة، وأقل وأكثر (وإذا سئل عدو الله عن ذلك / تعلل بأن هذا مرض آخر دخل عليه ليس فيه حيلة) ولو سلم منه، لعاش ويظهر الحزن (عليه، والأسف)، ثم يصف له بعد ذلك أشياء تنفع لمرضه؛ ولكنها لا تفيد بعد أن فات فيه الأمر، فينصح حيث لا ينفع نصحه؛ فإذا رأى ذلك الغمر ظن أنه من الناصحين، وهو من أكبر الغاشين ولقد أحسن من قال: [٤٣٩/ب]
[ ١ / ٣٤٥ ]
كل العداوة قد ترجى مودتها … إلا عداوة من عاداك في الدين
فقد يستعملون النصح لبعض الناس ممن لا خطر لهم في دين ولا علم، غش منهم؛ لأنهم لم ينصحوا لما حصلت لهم الشهرة بالمعرفة بالطب، ولتعطل عليهم معاشهم، ويستعملونه أيضًا لمن يخافوه من الأمراء والأكابر، ليتسموا بالمعرفة، ويحصل لهم الحظوة عندهم (ويقدمونهم على المسلمين، ويتسلطون بذلك على قتل من أمكنهم من العلماء والصالحين) ".
وهذا مكر عظيم، وخبث ظاهر، قل من يتنبه له. نسأل الله السلامة منهم بمنه وكرمه.