"وينبغي أن يكون مشهورًا بالدين، والنصيحة، وعنده معرفة بتركيب الأشربة، وصلاحها، وفسادها، وطرف صالح من الطب، ويتأنى فيما يطلب منه من الأشربة، فربما غلط هو، أو الطبيب"، و"تختبر الأشربة بطعمها، وعلامة الشراب الجيد أن يظهر فيطعم أصله؛ كأن يكون شراب ورد مثلًا، أو ليمونًا؛ فيظهر فيه طعمهما، وإن تغير لونه؛ لأنه إذا عمل على ما ينبغي جاء لونه إلى السواد غالبًا، وعمل الناس (اليوم على) خلاف ذلك.
فإنهم إنما يبيعون الأسماء؛ فيضعون القليل مثلًا من الأسطوخوجس، / أو الورد مثلًا معقودًا بالسكر والماء، ولا طعم لأصله فيه، وهذا غير نافع للمريض، فتجد الأشربة عندهم في غاية الصفاء، والرشوق، ولا نفع فيها للمريض، وهذا من الغش المذموم".
[ ١ / ٣٣٩ ]
ولهذا قال ابن زهر: "أخبرني أبي أن والده قال: "إذا صفا شراب الصيدلاني، كدر دينه"، "وكذا يفعلون أيضًا في الأدهان؛ فإنك تسمه مثلًا بدهن البنفسج، أو دهن الورد، أو غيرهما، ولا رائحة فيه لشيء من ذلك، والواجب في كل شراب يتخذ، أن ننقع الأدوية في الماء، بحيث يخرج فيه خاصيتها، ثم ترفع على نار لينة، حتى يأخذ الماء طعم ذلك الدواء، أو رائحته، ويتغير لون الماء تغيرًا ظاهرًا، فحينئذ يصفي ويضاف إلى الصفو السكر، أو العسل، ويعد شرابًا نافعًا.
وكذلك يفعل في الأدهان".
"ويتعين على الشرابي إذا قدم عنده الشراب ألا يبيعه؛ حتى يبين للمشتري؛ لأنهم يقولون: إن الفاكهة الجديدة إذا دخلت على الأشربة، بطل عمل ما عمل بالقديمة. وكذا يقولون في العقاقير، والأدوية، وهذا في الغالب، وأما في النادر كخيار شنبر وشبهه. فإنهم يقولون: إن قديمه أحسن من جديده". "وليحذر الغش في سببه ما استطاع أكثر من العطار وغيره؛ فإن غشه يؤول إلى إزهاق النفوس، أو الزيادة في المرض أو طوله". "وينبغي له التحفظ على أوعيته، وأوانيه
[ ١ / ٣٤٠ ]
فيصونها بالتغطية ويتفقدها وقتًا بعد وقت، سيما في زمن الحر، لكثرة هيجان الحشرات فيه. وقد يدخل فيها حيوان؛ فيموت، أو يخرج منه فضلة؛ فيتجنس أو يدخله نمل ربما أكل سمًا قاتلًا؛ فيكون سببًا لهلاك من استعمل من ذلك شيئًا، ولحدوث أمراض لم تكن من قبل ذلك. وإذا وقع له شيء من ذلك؛ لا يجوز له بيعه ويتعين عليه إراقته، وغسل الإناء منه". "وليجتنب أمورًا فاسدة منها: أن يبيع ماء اللسان البلدي؛ فإنه ممكس ويغش فيه غالبًا، ومنها أن يبيع حاجة تسمى بئر خشك يزغلها على أنها سير خشك المعروف، فإنها تشبهها في الصفة، ولا تقاومها في النفع؛ ومنها ألا يخلط الترنجيل بأشياء تشبهه في
[ ١ / ٣٤١ ]
الصفة، وكذا [الخولان] الهندي، وما أشبه ذلك من أنواع الغش"، وهي كثيرة في هذا السبب؛ فعليه أن يتجنبها ونسأل من الله التوفيق.
"ويتعين على أولياء الأمور أن يمنعوا اليهود والنصارى من عمل الأشربة، أو بيعها، وأن يجلسوا بالحوانيت؛ ليبيع ذلك للمسلمين؛ (فإن فيه من الغش، والمفاسد مالا يخفى على بصير؛ فإن من معتقد اليهود التدين بغش المسلمين) بل كل من حلل السبت، يباح عندهم دمه وماله.
ومن معتقد النصارى أن أموالهم طاهرة، ولا يتدينون بترك نجاسة أبدًا، إلا دم الحيض [فقط]؛ فكيف تطيب نفس عاقل على الإقدام على استعمال دواء، أو شراب يستشفي به، يكون مغشوشًا يعقب فسادًا، أو نجسًا يدخل جوفه".