ويكفي في أمرهم ما جمعه الحافظ [محمد] أبو عبد الله الذهبي وسماه (كشف رغل أهل العلم). ولكنه تغالى فيه كثيرًا كعادته، والحاصل أنهم "فرق كثيرة: منهم: المفسر، والمحدث، والفقيه، والأصولي، والمتكلم، والنحوي، وغيرهم.
وتتشعب كل فرقة من هؤلاء شعوبًا، وقبائل، ويجمع الكل أنه حق عليهم إرشاد المسلمين، وإفتاء المستفتين، ونصح الطالبين، وإظهار العلم للسائلين؛ فمن كتم علمًا
[ ١ / ٢١٦ ]
ألجمه الله بلجام من نار وألا يقصدوا بالعلم الرياء والمباهاة، والسمعة، ولا جعله سبيلًا إلى الدنيا، فإن الدنيا أقل من ذلك.
قال السيد الفضيل بن عياض: إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغنيًا افتقر، وعالمًا تلعب به الدنيا.
فأقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها، وكدورتها وانصرامها، وعظم الآخرة، ودوامها، وصفاءها، وأن يعلم أنهما متضادتان، وأنهما ضرتان، متى أرضيت واحدة أسخطت الأخرى. ومن لا يعلم ذلك فهو فاسد العقل، لأن المشاهدة والتجربة ترشد العقلاء إلى ذلك، فكيف يكون في العلماء من لا عقل له، ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة، ودوامها فهو كافر لا إيمان له، ومن علم هذا كله ثم آثر الدنيا على الآخرة؛ فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته؛ فكيف يعد من العلماء من هذه درجته".
قال ابن السبكي: "وحق الحق إني لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلًا إلى حطام الدنيا، وهو يرى كثيرًا (من الجهال وصلوا) من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه! ولا إلى عشر منه فإذا كانت الدنيا تنال مع الجهل، فما بالنا نشتريها بأنفس
[ ١ / ٢١٧ ]
الأشياء، وهو العلم! فتعين عليه أن يقصد بالعلم وجه الله تعالى، والترقي إلى جوار الملأ الأعلى.
"والكلام في العلماء، وما ينبغي لهم يطول، ولكننا ننبه على مهمات؛: فمن هؤلاء من يطلب العلو في الدنيا، والتردد إلى أبواب السلاطين. والأمراء كما ذكرنا، وحب الجاه، والمناصب؛ فيؤديهم ذلك إلى ظلمة قلوبهم بهذه الأكدار، وزوال صفائها، وإلى أن العالم يشتغل بهم عن الازدياد في العلم، وربما كان تردده سببًا لذهاب علمه، وفقهه، ونسيانه، وفساد عقيدة الأمراء فيه؛ فإنهم يستحقرون المتردد إليهم ولا [يزالون] يعظمون الفقيه حتى يسالهم في حوائجه، ويؤول ذلك إلى أنهم يظنون في أهل العلم السوء، ولا يطيعونهم فيما يفتون به، وينتقصون العلم وأهله. وذلك فساد عظيم، وفيه هلاك العالم، فإن قال لك فقيه: إن التردد إلى أبواب السلاطين لإعزاز الحق ولنصرة الدين، ولغرض من الأغراض الصحيحة، فقل له: إن صح ما تقول - وأنت أضر بنفسك -. فأنت على خطر عظيم؛ لأنك قد انغمست في الدنيا، وأنت تدعي أنك / تقصد بها الآخرة.
وإن ثبت هذا نقول فما نأمن عليك أن تنجر مع الدنيا وتهلك، ولذلك كان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: إن دعوك (لأن تقرأ) عليهم قل هو الله أحد، فلا تمض إليهم ولا تقرأها".
[ ١ / ٢١٨ ]
"ومنهم من يضيع كثيرًا من أوقاته في طلب القضاء وغيره من المناصب؛ فإن كان مراده القوت، فالقوت يجئ بدون ذلك، وإن كان مراده الدنيا، فقد كان في اشتغاله بضعة الأجناد، والدواوين، وغيرهم من العامة، ما لعله أنجح في مقصده؛ فإن الدنيا في ايدي أولئك أكثر بكثير.
ومنهم من يقول: أكرهت على القضاء؛ قال ابن السبكي، وأنا منذ عمري، وإلى الآن لم أر من أكره على القضاء الإكراه الشرعي، غير أن بلغنا أن جماعة من السلف ضربوا على أن يلوا القضاء فأبوا، وسمر باب أبي علي بن خيران مدة، ليلي فما ولي، وما ذاك إلا لأنهم يخشون ألا يقيموا فيه الحق لفساد الزمان، وإلا فالقضاء إذا أمكن فيه نصر الحق [ووصوله إلى أهله] من أعظم القربات، ولكن أين ذلك، وهم لا يدخلون في زماننا هذا في القضاء إلا بالسعي الشديد، وبذل المال الكثير، ومذهب كثير من العلماء من الشافعية، والحنفية، وغيرهم أن من يبذل الذهب على القضاء لا تصح أحكامه، ولا يخفى أنه إذا فسق ببذل الذهب لم يكن نافذ الأحكام.
[ ١ / ٢١٩ ]
وفي ذلك من الفساد العظيم ما لا يخفى على بصير قال وكأني بأحمق من الفقهاء يقول: تعين علي طلب القضاء، وأنا لا يخفى علي ما قاله الفقهاء فيمن تعين عليه، ولكن من الذي تعين عليه؟ (وأين هو في زماننا هذا) فقائل هذا ممن لبست عليه نفسه واستزله الشيطان من حيث لا يدري، أو ممن يريد التلبيس على الناس، هو [عليهم أضر من إبليس] نعوذ بالله منه"، ثم قال: "وقد أنشدنا بعضهم في قاضيين عزل أحدهما وولي الآخر:
عندي حديث طريف … بمثله يتغنى
في قاضيين يعزى … هذا وهذا يهنا
هذا يقول آكرهونا … وذا يقول استرحنا
ويكذبان جميعًا … [فمن] يصدق منا
فإذا بلى الله تعالى أهل هذه الحزقة بولاية الجهال عليهم، ووصول وظائف القضاء، ومناصب الدين لغير أهلها، أليس ذلك عدلًا من الله سبحانه"!
[ ١ / ٢٢٠ ]
لبعض ما يستحقه من سوء افعالنا.