إذا تقرر ما وصفناه من موضوع الحسبة، ووضح الفرق بينها وبين القضاة، والمظالم، فهي تشتمل على فصلين:
أحدهما: أمر بمعروف.
والثاني: نهي عن منكر؛ فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يتعلق بحقوق الله.
الثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين.
والثالث: ما كان مشتركًا بينهما.
فالأول ضربان:
أحدهما: ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد، كترك الجمعة في وطن مسكون، فإن كانوا عددًا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم، كالأربعين فما زاد فواجب أن يأخذهم بإقامتها، ويأمرهم بفعلها، له أن يأمرهم بصلاة العيد؛ فإن قلنا: هي مسنونة كان الأمر بها ندبًا، وإن قلنا من فروض الكفاية كان الأمر بها حتمًا.
وأما صلاة الجماعة في المساجد، وإقامة الآذان فيها للصلوات، فمن شعائر
[ ١ / ٢٤٩ ]
الإسلام، وعلامات متعبداته، التي فرق بها رسول الله ﷺ بين دار الإسلام ودار الشرك.
فإذا أجمع أهل محلة، أو بلد على تعطيل (الجماعات، ومساجدهم) وترك الآذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوبًا إلى أمرهم بذلك، وهل هو واجب عليه، يأثم بتركه أو مستحب له من يثاب على فعله؟ وجهان:
فأما من ترك ذلك من آحاد الناس، أو ترك الآذان والإقامة لصلواته، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة، وإلفًا؛ لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن به استرابة، أو يجعله إلفًا وعادة، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعى حكم المصلحة في زجره.
والثاني: ما يؤمر به أحاد الناس، كتأخير الصلاة حتى تخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها، ويراعى جوابه عنها.
[ ١ / ٢٥٠ ]
فإن قال: تركها (لنسيان حثه) على فعلها بعد ذكره، ولم يؤدبه، فإن تركها لتوان أو هوان، أدبه زجرًا وأخذه بفعلها جبرًا، ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق، لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير، وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بما [تغير] بالمذرورات الطاهرات، والاقتصار على مسح أقل الرأس، أو العفو عن قدر
[ ١ / ٢٥١ ]
الدرهم من النجاسة، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر، ولا نهي.
ولكن في اعتراضه عليهم في الوضوء بالنبيذ عندم عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل الأحوال، وأنه ربما يؤول شاربه إلى السكر، ثم على نظائر هذا الباب تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى وأما المتعلق بحقوق الآدميين، فضربان، أيضًا عام، وخاص.
فأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنوا السبيل من ذوي الحاجات، فكفوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم في ذلك، طلب وكذا لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم، ومراعاة ابن السبيل فهو فيهم، متوجه إلى كافة ذوي المكنة منهم، ولا يتعين أحدهم في الأمر به. فإن شرعوا فيه سقط عن المحتسب حق الأمر به، وعليه أن يأخذهم ببناء ما هدموه وليس له أن يأخذهم بإتمام ما / استأنفوه.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وأما الخاص فكالحقوق إذا بطلت، والديوان إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها لأن لصاحب الحق أن يلازم، وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن (تجب له، ويجب عليه) إلا أن يكون الحاكم قد فرضها، فيجوز للمحتسب أن يأمره بالقيام بها بشرطه. وأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وأحادهم، وله أن يأمر بها على العموم حثًا على التعاون بالبر والتقوى، ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين، وأما ما كان مشتركًا بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين فكأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى، والصالحين من أكفائهن إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن.
وله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء، ويأخذ السادة بحقوق العبيد، والإماء، وأن [لا يكلفوا] من العمل ما لا يطيقون، وكذا أرباب البهائم يأمرهم بعلفها إذا قصروا، وأن لا يستعملوها فيما لا تطيق.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومن أخذ لقيطًا في كفالته أمره أن يقوم بحق التقاطه، أو يسلمه إلى من يلتزم بكفالته.
وكذا واجد الضوال إذا قصر فيها، يأخذه بمثل ذلك من القيام بها، أو تسليمها إلى من يقوم بها، ويكون ضامنًا للضالة بالتقصير، ولا يكون ضامنًا للقيط، وغذا سلمها إلى غيرها ضمنها، ولا يضمن اللقيط بالتسليم، ثم على نظائر هذا المثال.
[ ١ / ٢٥٤ ]
الفصل الثاني: في النهي عن المنكر
وينقسم أيضًا ثلاثة أقسام:
أحدهما: ما كان من حقوق الله تعالى.
والثاني: ما كان من حقوق الآدميين.
والثالث: ما كان مشتركًا بين الحقين.
فالأول على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما تعلق بالعبادات.
والثاني: ما تعلق بالمحظورات.
والثالث: ما تعلق بالمعاملات.
أما المتعلق بالعبادات؛ فكالقاصد مخالفة هيئتها المشروعة، وتغيير أوصافها المسنونة كأن يقصد الجهر في صلاة الأسرار، وعكسه، أو يزيد فيها، أو في الآذان أذكارًا غير مسنونة، فلمحتسب إنكارها عليه، وتأديب المعاند فيها، إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع.
وكذا إذا أخل بتطهير جسده، أو ثوبه، أو موضع صلاته، أو بترك الغسل من الجنابة، أو الوضوء، أو الصلاة والصيام، أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهمة والظنون، ولكن يجوز له معها أن يعظ ويحذر من عذاب الله تعالى على إسقاط حقوقه، والإخلال بمفروضاته. فإن رآه يأكل في شهر رمضان، لم يقدم على تأديبه، إلا بعد سؤاله عن سبب أكله، إذا التبست أحواله، فربما كان مريضًا، أو مسافرًا، ويلزمه السؤال إذا زهرت منه أمارات الريب، فإن ذكر عذرًا كف عن زجره، وأمره
[ ١ / ٢٥٥ ]
بإخفاء أكله، لئلا يعرض نفسه للتهمة، ولئلا يقتدي به من ذوي الجهالة من لا يميز، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة بقوله؛ لأنه موكول إلى أمانته، وإن لم يذكر عذرًا جاهر بالإكار عليه وأدبه.
فأما الممتنع / من إخراج زكاته؛ فإن كان من الأموال الظاهرة، فلعامل الصدقة أخذها منه جبرًا أخص، وهو بتعزيره على الغلول إن لم يجد لع عذرًا أحق، وإن كان من الأموال الباطنة فيحتمل أن يكون العامل (بالإنكار عليه أخص)، لأنه لو دفعها إليه أجزأه، ويكون تأديبه معتبرًا بشواهد حاله في الامتناع من إخراجها، فإن ذكر أنه يخرجها سرًا، وكل إلى أمانته فيها، إن رأى رجلًا يتعرض لمسألة الناس، وطلب الصدقة، وعلم أنه غني عنها بمال أو عمل، أنكر عليه وأدبه فيه.
فقد فعل عمر ﵁ مثل ذلك مع قوم من أهل الصفة، وإن رأى عليه آثار الغنى، وهو يسأل أعلمه تحريمها على المستغني، عنها ولم ينكر عليه لجواز أن
[ ١ / ٢٥٦ ]
يكون في الباطن فقيرًا فإن كان ذا جلد وقوة على العمل، زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله فإن أصر على المسألة عزر حتى يقلع عنها، وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع من ليس من أهله، من فقيه، أو واعظ، ولم يأمن اغترار الناس به، في سوء تأويل، أو تحريف جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس من أهله، وأظهر أمره لئلا يغتر به، ومن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار.
مر علي بن أبي طالب – ﵁ – بالحسن البصري ﵀ – وهو يتكلم على الناس فاختبره، وقال له: ما عماد الدين؟، قال: الورع، قال: فما آفته، قال: الطمع، قال: تكلم الآن إن شئت؟.
وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين للعلم قولًا خرق به الإجماع، وخالف فيه النص، ورد قوله علماء عصره، أنكره عليه وزجره عنه، فإن أقلع وتاب، وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق. وإذا انفرد بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل، عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة فتكلف له أغمض معانيه، أو انفرد بعض الرواة
[ ١ / ٢٥٧ ]
بأحاديث مناكير رواتها تنفر منها النفوس لبعدها عن التأويل، كان (على المحتسب) إنكار ذلك والمنع منه، إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، وذلك من أحد وجهين:
إما أن يكون لقوته في العلم أو اجتهاده فيه وإما أن [يتفق] علماء الوقت على إنكاره وابتداعه فنعول على الإنكار على أقاوليهم، وفي المنع منه على اتفاقهم. وأما المتعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب، ومظانها ويقدم الإنكار، ولا يعجل بالعقوبة قبل الإنكار.
فإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريق سابل لم يظهر منهما أمارات الريب، لم يتعرض عليهما بزجر ولا إنكار، إذ لا يجد الناس بدًا من هذا، وإن كانت في طريق خال، فخلو المكان ريبة، فينكرها ولا يعجل في التأديب، حذرًا من أن تكون ذات محرم، وليقل إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى، وليكن زجره بحسب الأمارات، وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلمًا أرقها وأدبه، وإن / كان ذميًا
[ ١ / ٢٥٨ ]
أدب على إظهارها.
واختلف الفقهاء في إراقتها عليه، فعند الشافعي ﵁: أنها تراق عليهم؛ لأنها لا تضمن عنده في حق المسلم ولا الكافر.
وذهب أبو حنيفة – ﵁ – إلى أنها لا تراق عليه؛ لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم.
وأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفية ﵁ أنه من الأموال التي تقر المسلمون عليها، فيمنع من إراقته ومن التأديب على إظهار. وعند الشافعي: أنه ليس بمال كالخمر، وليس في إراقته غرم، فيعتبر والي الحسبة شواهد الحال فيه، (وينهي منه) عن المجاهرة، ويزجر إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد، لئلا يتوجه عليه غرم إن حكم فيه. وأما السكران فإن تظاهر سكره، وسخف هجرة، أدبه عليه تعزيرًا لا حدًا، لقلة مراقبته وظهور سخفه.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشبًا يزول هن حكم الملاهي، ويؤدب عليها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي.
وأما اللعب بالبنات، فليس يقصد بها المعاصير، وإنما يقصد بها تربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير، تفارقه معصية، تصوير ذوات الأرواح، وتشابه الأصنام، فللتمكين منها وجه، والممتنع منها وجه ويحسب ما يقتضيه شواهد الحال يكون إقراره وإنكاره.
"قد دخل رسول الله – ﷺ – على عائشة ﵂، وهي تلعب بالبنات، فأقرها ولم ينكر عليها".
وأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يبحث عنها، ولا أن يهتك الأستار حذرًا من الاستسرار بها، قال النبي ﷺ: "من أتى شيئًا من هذه القاذورات [فليستتر] بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته (نقم حد الله
[ ١ / ٢٦٠ ]
تعالى عليه)، فإن غلب على ظنه استسرار قوم بها (لأمارة دلت، وآثار ظهرت) فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه، أن رجلًا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث، حذارًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم، وارتكاب المحظورات، وكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة، جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.
الثاني: ما خرج عن هذا الحد، وقصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه.
فقد حكى عن عمر – ﵁ – أنه دخل على قوم يتعاقرون على شراب، ويرقدون في الأخصاص. فقال: نهيتكم عن المعاقرة فعاقرتم، وعن الرقود
[ ١ / ٢٦١ ]
في الأخصاص فرقدتم.
فقالوا له: قد نهاك الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتان بهاتين، وانصرف وتركهم.
فإن سمع أصوات ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عما سواه من الباطن، وأما المتعلق بالمعاملات / المنكرة: كالربا والبيوع الفاسدة، وما منع منه الشارع مع تراضي المتعاقدين به، إذا كان متفقًا على حظره، فعلى المحتسب إنكاره، والمنع منه، والزجر عنه وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر، فأما ما اختلف الفقهاء في حظره، وإباحته فلا مدخل له في إنكاره إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه، كربا النقد، الخلاف
[ ١ / ٢٦٢ ]
فيه ضعف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أم لا؟ فيه الوجهان السابقان.
وفي معنى المعاملات، وإن لم يكن منها عقود المناكح المحرمة، فينكرها إن اتفق الفقهاء على حظرها، ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة، فربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان، ولين بدل إنكاره لها الترغيب في العقود المتفق عليها، ومما يتعلق بالمعاملات: غش المبيعات، وتدليس الأعمال، فينكره، ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه.
فإن كان هذا الغش [تلبيسًا] على المشتري، ويخفى عليه، فهو أغلظ تحريمًا، وأعظم إثمًا، والإنكار عليه أغلظ، والتأديب عليه أشد. وإن كان لا يخفى عليه، كان أخف إثمًا وألين إنكارًا فإن اشتراه ليبيعه على غيره توجه الإنكار على البائع بغشه، وعلى المشتري بابتياعه، وإن اشتراه ليستعمله خرج عن الإنكار واختص بالبائع وحده، وكذلك القول في تدليس الأثمان، ويمنع من تصرية المواشي عند البيع المنهي عنه وأنه نوع من التدليس.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ومما هو عمدة في نظره المنع من التطفيف، والبخس في المكاييل والموازين، والصنجات، للوعيد عليه في الكتاب العزيز، وليكن الأدب عليه أظهر والمعاقبة فيه أكثر، ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة، ومكايلهم أن يختبرها، ويعايرها، فإن كان عليها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم. فإن تعامل قوم بغير ما طبع بطابعه، يتوجه الإنكار عليهم إن كان مبخوسًا من وجهين: بمخالفته في العدول عن مطبوعه، وإنكاره من الحقوق السلطانية والبخس والتطفيف في الحق وإنكاره من الحقوق الشرعية، وإن زور قوم على طابعه، كان المزور فيه كالمبهرج على طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير بغش، كان التأديب مستحقًا من وجهين:
أحدهما: في حق السلطة من جهة التزوير.
والثاني: من جهة الشرع في الغش، وهو أغلظ النكيرين. ومما يتولاه المحتسب، اختيار طائفة تقاه أمناء، من الكيالين، والوزانين، والنقادين، والدلالين الأمناء، ويمنع الخونة، منهم، وأجورهم في بيت المال إن اتسع، وإلا قدرها لهم من غير زيادة ولا نقص.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وأما اختيار القسام والذراع، فالقضاة به أحق منه؛ لأنهم قد يستنابون في أموال الأيتام والغيب.
وأما اختيار الحراس في القبائل، والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعاون، وإذا وقع في التطفيف تخاصم، جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه [تجاحد] وتناكر /، فإن أفضى إلى ذلك كان القضاة بالنظر فيه أحق من ولاة الحسبة؛ لأنهم بالأحكام أحق ويجوز للمحتسب التأديب فيه، ومما ينكره المحتسب في العموم، لا للخصوص، التبايع بما لا يألفه أهل البلد من المكاييل، والموازين التي تعرف فيه، وإن كانت معروفة في غيره؛ فإن تراضى بها اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع.
والثاني: المتعلق بحقوق الآدميين المحضة مثل أن يتعدى رجل في حد لجاره، أو
[ ١ / ٢٦٥ ]
حريم لداره، أو وضع جذوع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار؛ لأنه حق يخصه فصح منه العفو عنه والمطالبة به، فإن تخصاما فيه للمحتسب نظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكر، أخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال، فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق، وإذا نصب المالك تنورًا في داره، فتأذى الجار بدخانه لم يعترض عليه، ولم يمنع منه.
وكذلك لو نصب فيها رحى، أو وضع فيها حدادين أو قصارين لم يمنع؛ لأن للناس التصرف في أملاكهم بما شاءوا، وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجرته، أو استزاده في عمل، كفه عن تعديه، ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل، أو استزاده في الأجرة منعه منه، وأنكره عليه إذا تخاصموا إليه، فإن اختلفوا، وتناكروا كان الحاكم (بالنظر بينهم) أحق.
ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف:
منهم: من يراعى عمله في الوفور والتقصير، ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة.
[ ١ / ٢٦٦ ]
ومنهم من يراعى عمله في الجودة، والرداءة، فالأول كالطب والمعلمين، لأن الطب إقدام على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم.
وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسرًا فيقر منهم من توفر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصر أو أساء، من التصدي لما يفسد به النفوس وتخبث به الآداب.
والثاني: كالصاغة، والحاكة، والقصارين، والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس؛ فيراعى أهل الثقة منهم، والأمانة، فيقرهم ويبعد من ظهرت خيانته، ويشهر أمره، لئلا يغتر به من لا يعرفه.
الثالث: وهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل، ورداءته، وإن لم يكن فيه مستعد، فأما في عمل مخصوص
[ ١ / ٢٦٧ ]
اعتمد فيه الصانع الفساد، والتدليس فإذا استعدى الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر.
فإن تعلق بذلك غرم روعى حال الغرم، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه، لافتقاره إلى اجتهاد حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق. وإن لم يفترق (واستحق فيه) المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع. فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم، والتأديب؛ لأنه قد أخذ بالتناصف والزجر عن التعدي. ولا يجوز أن يسعر على الناس / أقواتهم ولا غيرها في رخص، ولا غلاء، وأجازه مالك في الأقوات مع الغلاء.
والثالث: الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين فكالمنع من الإشراف على منازل الناس، ولا يلزم من علا ببنائه أن يستر سطحه. وإنما يلزم ألا يشرف على غيره.
ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين، وأهل الذمة ويأخذ أهل الذمة بما شرط في متهم، من لبس الغيار والمخالفة في الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في عزير والمسيح، ويمنع عنهم من يتعرض لهم من المسلمين بسب أو اذى، ويؤدب عليه من
[ ١ / ٢٦٨ ]
خالف فيه.
وإذا كان في أئمة المساجد السابلة، والجوامع الحفله من يطيل الصلاة، حتى يعجز عنها الضعفاء، وتنقطع بها ذوو الحاجات أنكر ذلك كما أنكر رسول الله – ﷺ – على معاذ حين أطال الصلاة بقومه، فإن أصر الإمام على الإطالة؛ لم يجز أن يؤدبه عليها، ولكن يستبدل به من يخففها، وإذا كان في القضاة من يحجب الخصوم إذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه، فله أن يأخذه مع ارتفاع الأعذار بما ندب له، من النظر بين المتحاكمين، وفصل القضاء بين المتنازعين، ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه.
قد مر إبراهيم بن بطحاء – وإليه الحسبة بجانبي بغداد – بباب أبي عمر بن حماد، وهو يومئذ قاضي القضاة، فرأى الخصوم جلوسًا على بابه ينتظرون
[ ١ / ٢٦٩ ]
جلوسه، وقد تعالى النهار وهجرت الشمس، فوقف واسترعى حاجبه، وقال: تقول لقاضي القضاة الخصوم جلوب بالباب، قد بلغتهم الشمس، وتأذوا بالانتظار، فإما جلست لهم، أو عرفتهم عذرك، لينصرفوا ويعودوا.
وإذا كان في سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه كان منعهم والإنكار عليهم موقوف على استعداء العبيد لا على وجه الإنكار، والعظة، فإذا استعدوه منع حينئذ، وزجر، وإذا كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه؛ أنكره ومنعه منه، جاز للمحتسب أن ينظر فيه؛ لأنه وإن افتقر إلى اجتهاد، فهو عرف يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، وليس باجتهاد شرعي، فله الاجتهاد فيه، وإذا استعداه العبد من امتناع سيده من كسوته ونفقته؛ جاز أن يأمره بها ويأخذه بالتزامها.
وله أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا يسعها، ويخاف من غرقها، ومن السير عند اشتداد الريح، وإذا حمل فيها الرجال والنساء حجز بينهم بحائل، وإذا كان في أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب ستره وأمانته، فإذا تحققها منه أقره، وإن ظهرت منه الريبة، وبان عليه الفجور، منعه من معاملتهن، وأدبه على
[ ١ / ٢٧٠ ]
التعرض لهن، وينظر والي الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقر منها ما لا ضرر على المارة فيه، ويمنع ما أستضر به المارة، ولا يقف منعه على الاستعداء / إليه (وجعله أبو حنيفة موقوفًا على الاستعداء إليه).
وإذا بنى قوم في طريق سابل منع منه، وإن اتسع له الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه، ولو كان المبني مسجدًا؛ لأن مرافق الطرق للسلوك لا للأبنية، وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في (مسالك الشوارع) والأسواق ارتفاقًا لينقلوه حالًا بعد حال مكنوا منه إن لم يستضر به المارة، ومنعوا منه إذا استضروا به، وهكذا القول في إخراج الأجنحة والسوابيط، ومجاري المياه، وآبار الحشوش، تقر ما لم تضر، ويمنع ما ضر.
ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر أو لم يضر؛ لأنه من الاجتهاد العرفي دون الشرعي، والفرق بينهما: أن الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع، والعرفي: ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف، وبوضوح الفرق بينهما يتميز ما
[ ١ / ٢٧١ ]
يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من الاجتهاد فيه، وللمحتسب أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا في ملك أو مباح، إلا من أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه فيها بنقلهم منها.
واختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل، أو ندى، فجوزه الزبيري، وأباه غيره.
ويمنع من خصاء الآدميين، والبهائم، ويؤدب عليه، وإن استحق فيه قود أودية استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع، ويمنع من خضاب الشيب بالسواد إلا للمجاهد في سبيل الله تعالى، ويؤدب من تصنع به للنساء، ولا يمنع من الخضاب بالحناء والكتم، ويمنع من التكسب بالكهانة، واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وهذا فصل يطول أن يضبط لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفى، وفيما ذكرناه من شواهدهما دليل على ما أغفلناه.
ثم قال: "والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول باشروها بأنفسهم لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها، ولكن لما أعرض عنها السلطان في زماننا، وندب لها من هان (من عوام المتعممين)، وصارت عرضة للتكسب، وقبول الرشا؛ لأن أمرها هان على الناس نظرها، وليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقطت، وقد (أهمل الفقهاء من) بيان أحكامها ما لم يجز الإخلال به انتهى بنصه من كتاب الأحكام (السلطانية للإمام أبي الحسن الماوردي رحمه الله تعالى).
وهذه فصول نافعة من غيره تتعلق بالحسبة والمحتسب، وفيها أشياء غير ما تقدم ذكره.
[ ١ / ٢٧٣ ]
فصل
"لما كانت الحسبة كما قدمنا أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وإصلاحًا بين الناس، وجب أن يكون المحتسب فقهيًا عارفًا بأحكام الشريعة، ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه [الشرع]، ولا مدخل للعقول في معرفة ذلك إلا بكتاب الله – ﷿ – وسنة نبيه محمد ﷺ فرب جاهل يستحسن بعقله، ما قبحه الشرع، فيرتكب الحرام، وهو لا يشعر.
وأول ما يجب على المحتسب: أن يحتسب على نفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، ويسلك في قوله وفعله مناهج الحق، ولا يكون أمره بهما مخالفًا لفعله. بل عليه وأن / يعمل بما يعلم، قبل أن يأمر به غيره لقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾، وقال تعالى مخبرًا عن نبيه شعيب ﵇ لما، نهى قومه عن بخس الميزان ونقص الميكال: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾. ولا
[ ١ / ٢٧٤ ]
يكن كما قال الشاعر: أبو همام السلولي: حيث قال:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا … ولكن حسن القول خالفه الفعل
فذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها … أفاويق حتى (ما يدر لها) نسل
وأن يقصد بقوله وفعله وجه الله ﷾ وطلب مرضاته، بخلوص النية لا يشوبها رياء ولا سمعة.
ويجتنب في رياسته منافسة الخلق، ومفاخرة أبناء الجنس، لينشر الله عليه رداء القبول، ويقذف له في القلوب المهابة والجلالة، والمبادرة إلى قبول قوله بالسمع، والطاعة، فقد قال ﷺ: "من أرضى الله بسخط الناس؛ كفاه الله شرهم، ومن أرضى الناس بسخط الله، وكله الله إليهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه".
[ ١ / ٢٧٥ ]
"وينبغي للمحتسب أن يكون مواظبًا على سنن النبي – ﷺ – من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونظافة الثياب وتقصيرها والتعطر بالمسك ونحوه، وجميع سنن الشرع ومستحباته فإنه إن فعل ذلك كان أزيد في توقيره، وأنفى للطعن في دينه.
حكي أن رجلًا حضر إلى السلطان محمود يطالب الحسبة بمدينة غزنة، فنظر إليه فرأى شاربه قد غطى فمه من طوله، وأذياله نسحب على الأرض، فقال: يا شيخ اذهب فاحتسب على نفسك، ثم ارجع إلينا، واطلب الحسبة على الناس".
"وليكن من (شيمته الرفق، ولين القول) وطلاق الوجه، وسهولة الأخلاق؛ فإن ذلك أبلغ [في] استمالة القلوب، وحصول المقصود، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾.
ولأن الإغلاظ في الزجر ربما أغرى بالمعصية، والتعنيف بالموعظة تمجه الأسماع.
[ ١ / ٢٧٦ ]
حكى أن رجلًا دخل على المأمون، فأمره ونهاه، وأغلظ له في القول، فقال له المأمون: يا هذا إن الله تعالى أمر من هو خير منك بأن يلين القول لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون – ﵉: ﴿اذهبا إلى فرعون أنه طغى * فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾، أعرض عنه ولم يلتفت إليه.
"وليكن متأنيًا، غير مبادر إلى العقوبة، ولا يؤاخذ أحدًا في أول ذنب يصدر [منه]، ولا يعاقبه بزلة تندر، ولأن العصمة في الخلق مفقودة فيما سوى الأنبياء ﵈.
وإذا عثر بمن نقص في المكيال، أو بخس في الميزان، أو غش بضاعته، بما يأتي وصفه استتابه عن معصيته، ووعظه وخوفه، وأنذره العقوبة، والتعزير، فإن عاد إلى فعله عزره على حسب ما يليق به بقدر الجناية، ولا يبلغ به الحد ويتخذ له سوطًا ودرة، وغلمانًا وأعوانًا، فإن ذلك أرعب لقلوب العامة وأشد خوفًا /.
ويلازم الأسواق والدروب في أوقات الغفلة عنه، ويتخذ له فيها عيونًا يوصلون إليه الأخبار وأحوال السوقة".
[ ١ / ٢٧٧ ]
فصل
"ومن الشروط اللازمة للمحتسب أن يكون عفيفًا عن أموال الناس، متورعًا عن قبول هديتهم من المتعيشين، وأرباب الصناعات، فإن ذلك رشوة، وقد قال ﷺ: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش"، وهو المتوسط بينهما، لأن التعفف عن ذلك أصون لعرضه، وأقوم لهيبته، وأدعى لقبول الحق منه، ويلزم أعوانه وغلمانه بما التزمه من ذلك.
فإن أكثر ما يتطرق البلاء إلى المحتسب من غلمانه، وأعوانه، فإن علم أن أحدًا منهم أخذ رشوة، أو قبل هدية صرفه عن بابه، لتنتفي عنه الظنون، وتنجلي عنه الشبهات".
"ويجوز له أن يجعل لأهل كا صناعة عريفًا من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم بصيرًا بغشوشهم، وتدليسهم مشهورًا بالثقة، والأمانة؛ فيكون مشرفًا على
[ ١ / ٢٧٨ ]
أحوالهم، ليطلعه بأخبارهم وما يجلب إلى سوقهم من السلع والبضائع، وما يستقر عليه من الأسعار"، وغير ذلك من الأسباب التي تلزم المحتسب معرفتها.
فإنه يجب عليه "النظر في القوت، وكشف غمة المسلمين، فيما تدعوا (حاجتهم إليه) من ذلك، "والاحتراز في المشروب؛ فطالما أوهم الخمار أنه فقاعي أو قسماوي، والمأكول، فطالما أوهم الطباخ أن لحم الكلاب لحم ضأن، فليتق الله ربه، ولا يكون سببًا في إدخال جوف المسلمين ما كرهه الله تعالى لهم من الخبائث".
ويحرم على المحتسب التسعير على أرباب البضائع، من القوات وغيرها، وهو أن يلزمهم ببيعها بسعر معلوم في كل وقت رخص أو غلا على الصحيح من مذهب الشافعي ﵁، (وهو مذهب الإمام أبي حنيفة
[ ١ / ٢٧٩ ]
﵁ ونقله ابن مفلح في كتابه "الفروع" عن مذهب الإمام أحمد جازمًا به.
والأصل في ذلك أنه "ﷺ" لما غلا السعر في زمنه، وقال له أصحابه: سعر لنا يا رسول الله قال: "إن الله هو القابض الباسط المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطالبني بمظلة في نفس ولا مال".
وأجازه الإمام مالك في الأقوات في زمن الغلاء، وهو وجه عندنا، وقيل يجوز إذا لم يكن مجلوبًا، بل كان يزرع في البلد.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وعن مالك إذا خالف واحد أهل السوق بزيادة، أو نقصان، يقال له: إما [أن] تبيع بسعر أهل السوق، أو تنعزل عنهم، وإذا سعر السلطان انقاد الرعية لحكمه، ومن خالفه استحق التعزير، فلو باع رجل متاعه وهو لا يريد بيعه بذلك الثمن، ولم يقدر على ترك البيع كان مكرهًا عندنا، وقال أبو حنيفة – ﵁ – إكراه السلطان يمنع البيع، وإكراه غيره لا يمنع، ويحرم الاحتكار على فاعله في الأقوات بالاتفاق، وهو أن يشتري طعامًا في الغلاء ويمسكه ليزداد ثمنه، لقوله – ﷺ: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون، فإذا رأى المحتسب
[ ١ / ٢٨١ ]
أحدًا يفعله / أجبره على بيعه، وألزمه به، وعززه إن امتنع.
"ويمنع من تلقي الركبان وهو أن تقدم قافله ببضائع، فيتلقاهم إنسان خارج البلد فيخبرهم بكساد ما معهم ليبتاعه منهم رخيصًا، لنهيه ﷺ عن ذلك فإن عثر بأحد يفعله زجره وعزره".
"قال الشيخ تاج الدين السبكي ومن مهمات المحتسب -: (أمران ارتبطا به ولا سيما ببلاد الشام).
أحدهما: النقود من الذهب، والفضة المضروبين، ولا يخفى أن في زغلهما هلاك أموال البشر، فعليه اعتبار العيار بمحك النظر، والتثبت في سكة المسلمين.
وثانيهما: المياه فعليه الاحتراز في سياقها (بالعدل والإنصاف) ويعلم أن الخلق في أنهار دمشق كلهم سواء يقدم الأعلى منهم فالأعلى، ولا يجوز بيع شيء من الماء ولا مقره، ولا يقيد رضى قوم من الناس بل ولا كلهم؛ لأنهم لا يملكون إلا الانتفاع، بل ولا يرضى أهل الشام بجملتهم؛ لأن رضاهم لا يكون رضا من بعدهم ممن يحدث من الخلق".
وأما الطرقات النافذة المسلوكة، وهي الشوارع ودروب المحلات، فلا يجوز
[ ١ / ٢٨٢ ]
لأحد إخراج جدار فيها إلى الممر المطروق، أو إبراز جناح، أو ساباط يضر بالمارة، وكل ما فيه إيذاء، وإضرار على السالكين، كالميازيب، ومجاري الأوساخ الخارجة، فيأمرهم أن يجعلوا عوض الميازيب مسيلًا محفورًا في الحائط مكلسًا يجري، فيه ماء النضح.
وأصحاب مجاري السرايات يكلفهم سدها في الصيف ويحفروا لها حفيرة في الدار يجتمع إليها". "وأما الأسواق فينبغي أن يكون في الاتساع، والارتفاع على ما وضعته الروم قديمًا، وأن يكون من جانبي السوق إفريزان تمشي عليهما الناس في زمن الشتاء، إذ لم يكن السوق مبلطًا [ويمنع] من السوقة من يخرج مصطبة دكانه عن سمت أركان السقائف إلى الإفريز الأصلي، لأنه
[ ١ / ٢٨٣ ]
عدوان، وتضييق على المار"، "ويمنع إحمال الحطب، والتبن، وروايا الماء، ومزابل السرجين، والرماد، وأشباه ذلك – وإن كانت لمتجرة – من المرو في الأسواق، ومزاحمة الناس بها لما فيه من الضرر الكثير عليهم، بتقطيع ثيابهم، وإفساد بضائعهم وإتلافها.
ويأمرهم بالمرور بذلك في الليل (أو الشوارع) الواسعة، وإن وقفوا بها، وهي محملة مثقلة على ظهورها بالأحمال، أمرهم بوضعها ونهاهم عن ذلك، لما فيه من إضرارها، وتعذيبها، وهي من خلق الله تعالى لمنافع الخلق العباد.
وقد ورد النهي عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة ويأمر أهل الأسواق بتنظيفها من الأوساخ، والطين المجتمع، وغير ذلك مما يضر بالناس، كقشور البطيخ، وأوراق البقول ونحوها".
[ ١ / ٢٨٤ ]
فصل
"ينبغي للمحتسب أن يتخذ لمصالح الرعية سوطًا ودرة وطرطورًا: أما السوط فيكون وسطًا، لا بالغليظ الشديد، ولا بالرقيق اللين، لئلا يؤلم الجسم، ولا يخشى منه غائلة؛ وأما الدرة فتكون من جلد البقر أو الجمل، محشوة بنوى التمر، وأما الطرطور فيكون من اللبد، منقوشًا بالخرق الملونة، مكللًا بالخرز، والودع والأجراس، وأذناب الثعالب والسنانير. / وتكون هذه الآلة كلها معلقة على دكتة ليشاهدها الناس، وترعب منها قلوب المفسدين، وينزجر بها أهل التدليس فإذا عثر بشارب خمر جلده بالسوط أربعين جلدة، وإن رأى
[ ١ / ٢٨٥ ]
المصلحة في جلده ثمانين [جلدة]، فعل؛ لأن عمر – ﵁ – فعل ذلك، بفتوى علي بن أبي طالب – ﵁، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁، فيجرده عن ثيابه، ثم يرفع الجلاد يده بالسوط بحيث يظهر بياض إبطيه،
[ ١ / ٢٨٦ ]
ويفرق الضرب على كتفيه وإليتيه وفخذيه؛ وإن كان زانيًا – وهو بكر – جلده في ملأ من الناس، مائة سوط قال الله تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾.
وإن كانت امرأة جلدها في إزارها، وثيابها ملفوفة عليها، وإن كان محصنًا فيخرج به ظاهر البلد، ويجمع الناس حوله، ويأمرهم برجمه، كما فعل ذلك رسول الله ﷺ بماعز؛ وإن كانت امرأة محصنة حفر لها حفيرة في الأرض، فأنزلها بها وأمر الناس برجمها، كما فعله رسول الله – ﷺ بالعامرية، وإن عثر بمن لاط بغلام، أو أتى امرأة في دبرها، فعل به كذلك على الصحيح عندنا، وقيل يلقى من شاهق عال في البلد بعد ثبوته عند الإمام".
[ ١ / ٢٨٧ ]
فصل
وأما التعزير، وهو في المعاصي التي ليس فيها حد، ولا كفارة، فيختلف باختلاف (أحوال الناس)، وقدر جناياتهم، فمن الناس من يكون تعزيره بالحبس، وكشف الرأس، ومنهم من يكون بالقول، أو بالصفع، (والتوبيخ)، ومنهم من يكون بالجلد، ولكن يكون ناقصًا عن أدنى الحدود، ومنهم من يضرب بالدرة، ويلبس الطرطور، ويركب على حمار، أو جمل ويطاف به وينادى عليه.
وقد ذهب بعض أصحاب مالك، إلى أن المحتسب إذا ظفر بدقيق مغشوش، أو لبن مغشوش، ونحوهما، فرقه على المساكين وجعل ذلك تعزيرًا له، ويرجع فيه إلى ما يراه ولي الأمر على حسب كثرة الذنب، وقلته: "فلو رأى رجلًا حامل خمر، (أو معه) آلة لهو يلعب بها، عزره بحسب ما يراه، بعد أن يريق
[ ١ / ٢٨٨ ]
الخمر، ويكسر الآلة، وإذا رأى رجلًا اختلى مع امرأة أجنبية، ببيت أو طريق، أو يكلمها في غير معاملة من بيع، أو شراء ونحوهما، أو ينظر إليها، عزره، ومنعه من الوقوف بمجامع النساء، كأسواق الغزل، وأبوب الحمامات والمقابر ونحوها.
وكذا لو "رأى رجلًا يقبل صبيًا، أو امرأة أجنبية، أو يباشر فيما دون الفرج، أو يأكل ما لا يحل كميتة، أو دم أو يقذف الناس بغير الزنا، أو السرقة من غير حرز؛ أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال، أو الأوقاف، أو مال اليتيم، والشركاء إذا خانوا، أو من يغش في معاملته، أو يشهدون بالزور، أو يلقنون شهادة الزور، أو يرتشون في الحكم، ونحو ذلك من أنواع المحرمات، فهؤلاء كلهم يعاقبون (زجرًا وتعزيرًا) بما قدمنا".
وعليه بتفقد مجال الوعاظ، ويمنع الرجال من الاختلاط بالنساء، ويأمرهم أن يجعلوا بينهما ستارة، وإذا انقضى المجلس ذهب الرجال من طريق، والنساء من
[ ١ / ٢٨٩ ]
[طريق] أخرى، وتفقد المآتم، والمقابر، فإذا سمع نائحة، او نادبة منعها، وزجرها، وعزرها، / لأن النوح حرام.
وقال ﷺ: "النائحة ومن حولها في النار".
ويمنعهن من زيارة القبور؛ لأن النبي ﷺ قال: "لعن الله زورات القبور"، وإذا رآهن في جنازة أمرهن بالتأخير عن الرجال، ومنعهن من
[ ١ / ٢٩٠ ]
كشف وجوههن خلف الميت، ويأمر مناديًا ينادي في البلد بالمنع من ذلك، والأولى منعهن من تشييع الجنائز.
وإذا سمع بامرأة عاهرة، أو مغنية، استتابها عن معصيتها، وزوجها بثقة أمين، فإن عادت عزرها ونفاها من البلد.
وكذا يصنع بالمخنثين والمرد لمشهورين بالفساد، ويمنع الخنثى من حلق لحيته، ودخوله على النسوان، وكذلك الأمرد، إذا حلق لحيته أو نتفها، دل على فساده، فيعزره على ذلك، ثم يشرف على (الجوامع، والمساجد)، ويأمر قومها بكنسها كل يوم، وتنظيفها من الأوساخ، ونفض بسطها وحصرها من الغبار،
[ ١ / ٢٩١ ]
ومسح قناديلها، وإيقادها في كل ليلة، ويأمرهم بغلق أبوابها عقيب كل صلاة، وصيانتها عن الصبيان والمجانين.
ومن يأكل فيها الطعام أو ينام، أو يعمل صناعة، أو يبيع سلعة، أو ينشد ضالة، أو يجلس فيها للحديث مع الناس في الدنيا؛ فكل ذلك ورد الشرع المطهر بتنزيه المساجد عنه.
ثم يتقدم إلى جيران كل (مسجد وجامع) بالمواظبة على الجماعة فيه، والسعي لها عند سماع الأذان، لإظهار معالم الدين، وإشهار شعائر الإسلام، ولا يؤذن في منارة المسجد، إلا عدل أمين ثقة عارف بأوقات الصلاة.
وينبغي للمحتسب أن يمنحنهم بمعرفة أوقات الصلاة، فمن لم يعرفها منعه ليتعلم، إذ ربما أذن في غير الوقت، فتسمعه العامة فيصلون قبل الوقت، فلا تصح صلاتهم، ويفطرون من صيامهم قبل الغروب فلا يصح صومهم.
ويستحب أن يكون صيتًا حسن الصوت، وينهى عن التغني في الأذان، والتمطيط فيه"، "ويأمر الأئمة وأهل القرآن بقراءته مرتلًا كما أمر الله تعالى، وينهاهم عن تلحينه، وقراءته بالأصوات الملحنة، كما تلحن الأغاني
[ ١ / ٢٩٢ ]
والأشعار، ولا يأتون إلى جنازة من غير أن يستدعيهم ولي الميت.
وإذا أعطوا شيئًا على سبيل الصدقة من غير شرط جاز لهم أخذه.
فأما اشتراطه فلا يجوز.
ولا يغسل الموتى إلا ثقة أمين قد قرأ كتاب الجنائز في الفقه، وينهى العميان، وأهل الكدية عن قراءة القرآن في الأسواق، والحمامات، ونحوها".
"وينبغي للمحتسب أن يتردد إلى مجالس القضاة والحكام، ويمنعهم من الجلوس في المساجد، والجوامع للحكم فيها؛ فربما دخلها الجنب، والحائض، والذمي، والصبي، والمجنون، والحافي، فيؤذونها برفع الأصوات، وكثرة اللغط، والخصومات، وينجسون ما فيها من حصر وغيرها.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقد ورد في الشرع الشريف النهي عن ذلك". "وفي كتاب الإمام أبي [القاسم] الصيمري: "أن المستظهر بالله أمير المؤمنين، ولى رجلًا من أصحاب الشافعي – ﵁ – الحسبة ببغداد، فنزل إلى جامع المنصور، فوجد قاضي القضاة يحكم بين الناس فيه، فقال: سلام عليك، قال الله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.
وقد مكن الله خليفته المستظهر بالله أمير المؤمنين في أرضه، وبسط يده
[ ١ / ٢٩٤ ]
بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد جعلني الله وإياك نابين عنه في ذلك، قائمين في رعيته بحدود الله ﷿، ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ ونحن أولى من يعمل بحدوده، ويلزم ما أمر الله به، ونتجنب ما نهى الله عنه، ليقتدي بنا العامة؛ فنحن ملح البلد، نصلح ما فسد من أحوال العامة، فإذا فسد الملح فمن يصلحه.
ومجلسك هذا لا يصلح في الجامع، أما سمعت قول الله ﷿: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾.
وليس في هذا الذي أنت فيه شيء من ذلك؛ وإنه لتدخل إليك المرأة لتحكم مع بعلها، ومعها الطفل فيبول على الحصر؛ وإن الرجل ليمشي على النجاسة، والقذر، ويدوس الحصر بنعله؛ وإن الأصوات لترتفع باللغط خارج حلقتك، وربما دخل إليك الجنب، والمرأة الحائض، وكل ذلك أمرنا نبينا – ﷺ
[ ١ / ٢٩٥ ]
- باجتنابه، فاجلس في وسط البلد، حيث لا يشق على الناس القصد إليك، والسلام. قال: فنهض القاضي من فوره، ولم يعد يجلس في الجامع للقضاء".
"وينبغي له منه الوكلاء (بأبواب القضاء) فلا خير فيهم، ولا مصلحة للناس بهم في هذا الزمان، لأن أكثرهم رقيق الدين يأخذ من الخصمين، ثم يتمسكون به لسنة الشرع الشريف، فيقفون (أمرهم)، ويضيعون حقهم، وتخرج من بين أيديهم، بل إذا حضر الخصمان عند الحاكم، ولحنًا بحجتهما ظهر له الحق سريعًا من كليهما، ولا حاجة لهما إلى توكيل، وكيل أصلًا، اللهم إلا أن يكون هناك امرأة مخدرة، أو صبي (ونحوهما)؛ فيوكل عنهما القاضي وكيلًا للحاجة".
[ ١ / ٢٩٦ ]
ثم يقصد جالس الأمراء، والولاة، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، من الظلم والمعاصي، وأكل أموال الناس بالباطل، ويعظهم ويذكرهم، ويأمرهم بالشفقة على الرعية، والإحسان إليهم، ونصر المظلومين.
ويذكر ما ورد في ذلك من الأخبار، والآثار، وليكن ذلك كله بلطف، ورفق، وبشاشة من غير تعبيس، ولا جبروت.
قال الله تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وسيأتي في الباب الخامس: الحسبة على (سائر أصحاب) الحرف والصناعات، والبضائع، والغلات، ولا يخفى على المحتسب بعد ذلك كله، الحسبة على أشياء تقع له، [مما] لم يذكر، فليس ما لم يذكر على ما ذكر؛ فإنه سهل عليه إن شاء الله تعالى.
"ولو أخذنا في تعداد جميع ما يلزم المحتسب فعله، والأمر به، لطال به الكتاب جدًا، ولكني بحمد الله، وتوفيقه قد ذكرت أصولًا وقواعد، وأحكامًا كثيرة، فليقس عليها ما يجانسها ويشابهها.
والضابط الجامع لأمور الحسبة، هو الشرع الشريف المطهر؛ فكل ما نهت عنه الشريعة كان محظورًا، يجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله، وما أباحته الشريعة
[ ١ / ٢٩٧ ]
أقره، ولم يعترضه بإنكار، ولا غيره، ولهذا قدمنا أنه يجب أن يكون المحتسب فقيهًا عالمًا بأحكام الشرع؛ فإنه متى كان جاهلًا اختلت عليه الأمور، / ووقع [٣٢/أ] في المحذور، ولم يصل من أمر العامة إلى المقصود".
[ ١ / ٢٩٨ ]