أهله من بعده إلى أن غلب الفرنج على القدس، الخليل سنة اثنتين تسعين وأربعمائة. قلت: والكتاب المذكور رأيته، وتبركت به مرارا وهو موجود مستمر في يد الداريين إلى وقتنا هذا، ولا يعارضهم فيه أحد من غيرهم ببركة نبينا محمد ﷺ لكن رأيت فيه ألفاظا لم أجدها فيما وقفت عليه من ترجمته فالله أعلم بها.
الوجه الثاني: قال بعض العلماء، وهذا الحديث عليه مدار الإسلامن وقيل إنه أحد أرباع الإسلام، وصحح بعضهم الأول.
والدين يطلق على ثمان معان:
أحدها: الملة وهي: دين الإسلام، وهي المراد هنا، والعادة، والجزاء، والطاعة، وسيرة الملك، والسياسة، والحال، والداء.
والنصيحة: اسم من النصح، والنصاحة يقال: نصحته، ونصحت له، وهي أفصح. قال تعالى: ﴿وأنصح لكم﴾. والنصيح الناصح، والنصح بفتح النون مصدر نصحت الثوب، خطته والناصح: الخياط، ونصح الرجل ثوبه إذا خاطه، شبه
[ ١ / ٩٦ ]
فعل الناصح فيما يتحراره للمنصوح له بسد الخياط خلل الثوب وإصلاحه، والنصاح السلك يخاط به، والمنصحة الإبرة.
قال الجوهري ومنه التوبة النصوح لقوله ﷺ: " من اغتاب خرق ومن استغفر رفأ".
والنصيحة: كلمة جامعة معناها: حيازة الخير للمنصوح له، ويقال: إنها من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة، وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة، كما قالوا في " الفلاح ": ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الآخرة، والدنيا منها.
ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة لقوله ﵊: " الحج عرفة "، أي" عماده، وقوامه وهو فيها من الحصر المجازي
[ ١ / ٩٧ ]
دون الحقيقي، كأنه لما أريد به المبالغة في النصيحة جعله كل الدين، وإن كان الدين مشتملا على خصال كثيرة غير النصيحة بخلاف الحقيقي نحو الله ربنا، ومحمد نبينا، وعالم البلد زيد إذا لم يكن فيها عالم غيره، وتارة يكون الحصر أيضا مطلقا وتارة مخصوصا:
فالأول: نحو، ﴿إنما الله إله واحد﴾.
والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿إنما أنت نذيرٌ﴾: أي بالنسبة إلى من لا يؤمن وإلا فصفاته ﵊ لا تحصر من البشارة، والشجاعة، والكرم، وغيرها.
الثالث: قولهم: " قلنا لمن": يتلوح منه أن العالم لا يلزمه استقصاء المبالغة في البيان لما يلقيه من الأحكام، وغيرها، لكن إذا سمعها المتعلم، فإن فهم استغنى عن المراجعة، وإلا سأل، فكان ذلك أوقع في نفسه، مما إذا هجم عليه البيان من أول وهلة.
الرابع: قوله ﵇: " لله". قال الخطابي وغيره: النصيحة لله: منها ما هو منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته،
[ ١ / ٩٨ ]
ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمه، وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحث عليها، والتلطف بالناس، ومن أمكن منهم علما.
قال: وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصحين.
الخامس: قوله ﵇: " ولكتابه" قال العلماء ﵏ تعال: أما النصيحة له؛ فالإيمان بأنه كتاب الله تعالى، وتنزيله لا يشبه شيئا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم تعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأول المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتناء بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه، ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه إلى ما ذكرنا من نصيحته.
السادس: قوله ﵇ " ولرسوله " ﷺ: أما النصيحة له
[ ١ / ٩٩ ]
فبتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره، ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاده، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر سنته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعليمها، (وإعظام حقها) وإجلالها والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته، وأصحابهن ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك.
السابع: قوله ﵊: " ولأئمة المسلمين ". فالنصيحة لهم بمعاونتهم على الحق، وطاعتهم وأمرهم به ونهيهم وتذكيرهم (برفق ولطف)، وإعلامهم بما غفلوا عنه [ولم] يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي: ومنها الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم.
قلت: لكن في مذهب الشافعي ومالك – رضي الله تعالى عنهما – تفصيلا في ذلك، (وهو أنه) إنما يجب دفع الزكوات إليهم إذا كانوا ذوي عدل، وإلا صرفها
[ ١ / ١٠٠ ]
أربابها لمستحقيها إذا أمكنهم ذلك من غير أذى يلحقهم.
قال أصحابنا: ودفعها إلى السلطان إذا كان عادلًا أفضل فإن كان جائرا فيفرقها بنفسه، أو بوكيله أفضل سواء المال الباطن والظاهر، وفي شرح " المهذب": الأصح دفع زكاة المال الظاهر للإمام، وإن كان جائرا، ومحله ما إذا لم يطلبها السلطان وإلا فيجب الدفع إليه قطعا. ثم قال الخطابي: ومنها ترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم وأن يدعي لهم بالصلاح قال، وعلى هذا كله المشهور أن المراد بهم أئمة المسلمين الخلفاء، وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وإن من نصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم.
الثامن: قوله ﵇: " وعامتهم ": أي عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة
[ ١ / ١٠١ ]
الأمور فمن نصحيتهم إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، (وإعانتهم على ذلك) بالقول، والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم [وتخولهم] بالموعظة الحسنة، وترك غيبتهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، من الخير ويكره لهم، ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم، وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم، بالفعل، والقول، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه، و[تنسيط] هممهم إلى الطاعات. ولقد كان في السلف الصالح – ﵁ – من تبلغ به النصيحة للمسلمين إلى الإضرار في نفسه ودنياه.
واعلم أن مما يتأكد به العناية لكل مسلم أن يعلم أنه يجب على الإنسان النصيحة والوعظ والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلب على ظنه ترتب مفسدة على وعظه لقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، الآية.
وأما الأحاديث بنحو ذلك فكثيرة جدًا. وأما ما يفعله كثير من أهل زماننا من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك من الحياء فخطأ صريح،
[ ١ / ١٠٢ ]
وجهل قبيح، فليس هو بحياء بل خور ومهانة وضعف في الدين، وعجز قاله النووي وغيره. انتهى.
قلت: والدليل على ما ذكرته ما في صحيح البخاري عن جابر – ﵁، قال: " بايعت رسول الله – ﷺ – على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".
(وفي رواية عنه فيه قلت: " أبايعك على الإسلام، فشرط علي: والنصح لكل مسلم)، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم.
فهذا الحديث بعمومه متناول لكل صغير، وكبير من المسلمين، فلذلك جمعت، هذا التصنيف المبارك إن شاء الله تعالى وأنا أسأل الله من فضله أن يوفقني للإخلاص في القول، والعمل، وأن يجعلني من أهل النصيحة لعباده إخواني من
[ ١ / ١٠٣ ]
المسلمين، وما جمعته فيه خالصا لوجهه الكريم، وينفعني به، ومطالعيه، وسامعيه، وسائر المسلمين!
قال ابن بطال – ﵀: وهذا الحديث يدل على أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول ثم النصيحة فرض كفاية يجزي فيه من قام به من المسلمين ويسقط عن الباقين، وهي لازمة على قدر الحاجة إذا علم النصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة والله أعلم.
قال العلماء: وينبغي للسلطان وكل ولي أمر " أن يعلم أن صلاح العباد، والبلاد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما من جملة النصيحة لله، ولعباده فإن صلاح المعاش، والمعاد في طاعة الله تعالى، ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بهما، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وقال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر﴾.
وقال تعالى حاكيا عن بني إسرائيل: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس
[ ١ / ١٠٤ ]
ما كانوا يفعلون﴾.
وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾. فأخبر تعالى أن العذاب لما نزل نجي الذين ينهون عن السيئات، وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد.
وفي الحديث الثابت أن أبا بكر الصديق – ﵁ – خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فقال:
" أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: إن الناس إذا راوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".
وفي حديث آخر " إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت، فلم تنكر ضرت العامة، والخاصة". نسأل الله السلامة والعفو والتوفيق لما يحب ويرضى.
[ ١ / ١٠٥ ]
الباب الأول