مِنْهَا أَنَّهُ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عَلَى النَّاسِ فِي شُهُودِهِمْ، وَيَصِلُ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ.
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ.
وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْأَحْكَامِ فِي دَارِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَأَمَرَ بِإِضْرَامِ دَارِهِ عَلَيْهِ نَارًا، فَدَعَا وَاسْتَقَالَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ إلَى ذَلِكَ فَلْيَفْتَحْ أَبْوَابَهَا وَيَجْعَلْ سَبِيلَهَا سَبِيلَ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ وَلَا حِجَابٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ قَضَائِهِ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ النَّاسِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ ضَرَرَ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى وَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّسَاءِ الْحُيَّضِ فَيَجْلِسُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِقُعُودِهِ فِي
[ ١ / ٣٨ ]
الْمَسْجِدَ لِكَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى أَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ، فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَدْ اتَّخَذَ سَحْنُونٌ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَكَانَ يَقْعُدُ فِيهِ النَّاسُ لِيَحُولَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِهِمْ وَكَثْرَةِ لَغَطِهِمْ، وَحَيْثُمَا جَلَسَ الْقَاضِي الْمَأْمُونُ فَهُوَ لَهُ جَائِزٌ، وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى الْقَاضِي تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِذَلِكَ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ، فَمِنْهُمْ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَفِيهِ امْتِهَانُ الْمَسْجِدِ بِكَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّجَاجِ وَمَا يَقَعُ بَيْنَ الْخُصُومِ مِنْ اللَّجَاجِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ بَعْضَ الْعَوَامّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَرِجْلُهُ فِيهَا بَلَلٌ وَرُبَّمَا كَانَتْ غَيْرَ طَاهِرَةٍ، وَمَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَلَيْسَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا إهَانَةُ الْمَسْجِدِ خُصُوصًا الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لَا سِيَّمَا مَسْجِدُ الرَّسُولِ - ﷺ - فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ لِرَجُلٍ دَقَّ مِسْمَارًا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ: لَقَدْ آذَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَاحْتِرَامُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ - ﷺ - وَاجِبٌ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ اللَّاصِقَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ بِالْجُلُوسِ فِي غَيْرِهَا، وَمَا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُونَ إلَّا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجًا مِنْهُ، أَمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ، يُرِيدُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهُوَ الْآنَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ بِمُصَلَّى الْجَنَائِزِ خَارِجَ بَابِ جِبْرِيلَ، قَالَ وَأَمَّا فِي رَحْبَةِ دَارِ مَرْوَانَ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى رَحْبَةَ الْقَضَاءِ، وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِيضَأَةً وَهِيَ عَلَى بَابِ السَّلَامِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكُومَةَ وَقَعَتْ عِنْدَهُ فِي مَسْجِدِهِ - ﵇ -.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِي الْمَسْجِدِ» .