ِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ. تَنْفِيذُ حُكْمِ نَفْسِهِ، وَتَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ الْإِلْزَامُ بِالْحَبْسِ وَأَخْذُ الْمَالِ بِيَدِ الْقُوَّةِ وَدَفْعُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَتَخْلِيصُ سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُهُ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالتَّنْفِيذُ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَالثُّبُوتُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْوُسْطَى، وَالتَّنْفِيذُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ. وَلَيْسَ كُلُّ الْحُكَّامِ لَهُمْ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الضَّعِيفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَالْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرُّتْبَةِ السَّادِسَةِ مِنْ رُتَبِ الْوِلَايَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا، وَكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مُوجِبَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا
[ ١ / ١٣٢ ]
فِي النَّوْعِ السَّابِعِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي التَّنْفِيذِ حُكْمٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ مُسَاعَدَةً عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، فَلَا يُعْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، فَهُوَ كُلُّهُ كَحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الثَّانِي حَكَمْت بِمَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ وَأُلْزِمْت بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ وَالْمُنَفِّذُ الثَّانِي مَذْهَبُهُمَا وَاحِدٌ، أَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا وَرَدَ عَلَى حَاكِمٍ حُكْمٌ بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ وَالْقَاضِي الْوَارِدُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ اعْتِقَادُهُ مَذْهَبٌ آخَرُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِلْزَامُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَإِلْزَامُ الزَّوْجَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَتَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْهَا، مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ هُوَ خِلَافُ مَا نَفَّذَ بِهِ ذَلِكَ الْحُكْمَ؟ . فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ تَنْفِيذِهِ وَإِبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَفَّذَهُ وَأَلْزَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا فِيهِ أَلْزَمَهُ مَا لَا يَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُنَفِّذُهُ وَيَلْزَمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا تَضَمَّنَهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَنْ إنْفَاذِهِ كَإِبْطَالِهِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا.