وَأَمَّا وِلَايَةُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُقِيمُهُ الْقَاضِي وَالْكَاتِبِ وَالتَّرْجُمَانِ وَالْمُقَوِّمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُنْشِئُوا حُكْمًا وَلَا أَنْ يُنَفِّذُوا شَيْئًا وَأَمَّا الْوِلَايَاتُ الَّتِي يَنْدَرِجُ الْقَضَاءُ فِي ضِمْنِهَا فَهِيَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى وَأَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا وَكَذَلِكَ أَهْلِيَّةُ السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ، فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي تَنَاوُلِ ذَلِكَ.
النَّوْعُ الثَّانِي الْوِزَارَةُ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يَجُوزُ التَّفْوِيضُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ لِلْوَزِيرِ، وَيَخْتَصُّ الْإِمَامُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَا يَعْقِدُ الْوَزِيرُ وِلَايَةَ الْعَهْدِ وَيَعْقِدُهَا الْإِمَامُ لِمَنْ يُرِيدُ فَيَكُونُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - وَلَا يُسْتَعْفَى مِنْ الْوِلَايَةِ، وَلِلْإِمَامِ الِاسْتِعْفَاءُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَلَا يُعْزَلُ مَنْ قَلَّدَهُ الْإِمَامُ، وَيُسَمَّى هَذَا الْوَزِيرُ وَزِيرُ تَفْوِيضٍ، وَهَذَا مَعَ وُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا فَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا وَزِيرُ التَّنْفِيذِ وَوَزِيرُ الِاسْتِشَارَةِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الْحُكْمِ وَوَزِيرُ التَّنْفِيذِ هُوَ الَّذِي إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةُ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: كَالْمُلُوكِ مَعَ الْخُلَفَاءِ فِي الْإِمَارَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَقَالِيمِ، فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي إفَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. إذَا صَادَفَتْ الْوِلَايَةُ أَهْلَهَا، وَمَحَلَّهَا مِنْ الْعَالِمِ، وَتَشْمَلُ أَهْلِيَّةَ السِّيَاسَةِ وَتَدْبِيرَ الْجُيُوشِ، وَقَسْمَ الْغَنَائِمِ وَتَفْرِيقَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ مُؤَمَّرًا لَكِنَّهُ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْإِمَارَةِ، فَلَا يَجُوزُ لِهَذَا أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا أَنْ يُقَدِّمَ حُكَّامًا وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ مَرْدُودٌ حَتَّى تُفَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الْإِمْرَةِ، وَإِنْ فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ مَضَى حُكْمُهُ وَحُكْمُ مُقَدَّمِيهِ، قَالَهُ مُطَرِّفٌ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَنَازُعٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةَ قَضَاءِ وُلَاةِ الْمِيَاهِ إلَّا فِي جَوْرٍ بَيِّنٍ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُمْ حَتَّى يُفَوَّضَ إلَيْهِمْ الْحُكْمُ مَعَ
[ ١ / ٢١ ]
الْإِمْرَةِ لَسَأَلَ مَالِكٌ عَنْهُمْ، هَلْ فُوِّضَ إلَيْهِمْ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يُجِبْ بِجَوَازِ حُكْمِهِمْ قَبْلَ السُّؤَالِ عَنْهُمْ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا لِجَوَازِ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَلِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فِيمَا سَجَّلَ بِهِ بَعْضُ الْقُوَّادِ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَرَدَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يُجْعَلَ إلَيْهِ مَعَ الْقِيَادَةِ وَالْجِبِلِّيَّةِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعَهُ قَاضٍ فِي الْمَوْضِعِ جَازَ حُكْمُهُ لِمَا لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ وَالِانْتِصَافِ إذَا حَكَمَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ وَمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ ".
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْإِمَارَةَ الْخَاصَّةُ عَلَى تَدْبِيرِ الْجُيُوشِ وَسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ دُونَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ، فَهَذِهِ الْوِلَايَةُ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْقَضَاءَ مُنْدَرِجٌ فِيهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ - ﵀ - لَا يُنْقَضُ مَا حَكَمَ بِهِ وُلَاةُ الْمِيَاهِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: هُمْ الْوُلَاةُ الَّذِينَ فُوِّضَ إلَيْهِمْ أَمْرُ الْمِيَاهِ وَهُمْ مُقِيمُونَ عِنْدَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ أُمَرَاءَ الْجَيْشِ أَعْظَمُ مِنْهُمْ فَتَنْفِيذُ حُكْمِهِمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وِلَايَةُ النَّظَرِ فِي الْمَظَالِمِ وَلَهُ مِنْ النَّظَرِ مَا لِلْقُضَاةِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُمْ مَجَالًا، يُرِيدُ بِشَرْطِ الْعِلْمِ، قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ " وَبَعْضُ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ.