مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ وَإِذَا تَوَاضَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْقَاضِي الْحُجَجَ، فَأَرَادَ الْحُكْمَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِمَا تَبَيَّنَ مِنْ الْحَقِّ فَاسْتَغَاثَ بِالْأَمِيرِ وَهُوَ جَائِزٌ فَأَمَرَهُ بِتَرْكِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يُنَفِّذَ لَهُ حُكْمَهُ وَلَا يَنْظُرَ فِي قَوْلِ الْأَمِيرِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهُ رَأْسًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُبْتَدَأِ أَمَدِهِمَا وَقَبْلَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ حَقُّ أَحَدِهِمَا فَنَهَاهُ الْأَمِيرُ عَنْ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمَا فَأَرَى أَنْ يَنْتَهِيَ وَيَدَعَهُمَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبَيِّنُ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْأَمِيرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْقَضِيَّةَ عَنْ الْحَاكِمِ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ نَظَرِ الْأَوَّلِ (مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ) .
[ ١ / ٥٩ ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي الْقَاضِي يَتَوَاضَعُ الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ الْحُجَجَ، فَيَقُولُ لَهُمَا: اجْتَهَدَا فَإِنِّي لَسْت أُقِيلُكُمَا: فَيَضَعَانِ حُجَّتَهُمَا وَيُوَقَّعُ ذَلِكَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي ثُمَّ يُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ حُجَّتِهِ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى فَإِنِّي أَرَى لَهُ أَنْ يُقِيلَ النَّاسَ مِنْ حُجَجِهِمْ وَلَا يُظْفِرُهَا عَلَيْهِمْ حُجَجًا لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَضَعُ حُجَّتَهُ فَيُسْقِطُ مِنْهَا كَثِيرًا نِسْيَانًا لَهَا أَوْ عَجَلًا أَوْ حَصَرًا إلَّا أَنْ يَسْتَوْعِبَ أَمْرَ الْخَصْمَيْنِ بِالْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِمَا وَيُعْجِزَا أَنْفُسَهُمَا وَيَقُولَا لَهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْحُجَجِ إلَّا الَّذِي وَضَعْنَاهُ عِنْدَك، ثُمَّ إنَّ الْقَاضِيَ وَقَفَ لِيَسْتَشِيرَ فِي ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ إنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ حُجَّتِهِ إلَى غَيْرِهَا تَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي لِذَلِكَ وَجْهًا وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ عُذْرُهُ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ وَكَانَ قَدْ عَجَزَ نَفْسُهُ عَنْهَا فَإِنْ رَأَى السُّلْطَانُ أَنَّ بَيِّنَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ غَائِبَةً غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَنَظَرَ لَهُ مَا لَمْ يَفْصِلْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ لَا يَنْظُرُ لَهُ فِي بَيِّنَتِهِ وَلَا يَعْذِرُهُ بِغَيْبَتِهَا وَلَا بِمَا خَفِيَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِهَا، وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهَا أَوْ يَجْرَحَ مَنْ كَانَ مُكِّنَ مِنْ جَرْحِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَمَضَى أَمْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ الْحُكَّامِ بِالْمَدِينَةِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا.