مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي أَصْبَغُ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقَاضِي يَكْتُبُ شَهَادَةَ الْقَوْمِ فِي الْكِتَابِ يُرِيدُ مِنْ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ثُمَّ يَخْتِمُ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ فَيُعَرِّفُهُ بِخَاتَمِهِ، أَتُرَى أَنْ يُجِيزَ مَا فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُهُ وَالْخَوَاتِمُ رُبَّمَا عُمِلَ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ - هُوَ أَعْلَمُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ، وَقَدْ كَانَ الْكُثَيْرِيُّ لَا يَلِي كُتُبَهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ لِي أَصْبَغُ: وَأَرَى أَنْ يُجِيزَ مَا فِي الْكِتَابِ إذَا عَرَفَهُ وَعَرَفَ خَاتَمَهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي مِنْ بَيِّنَةِ الْخَصْمِ وَيُوقِعَ شَهَادَتَهُمْ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فِي شَهَادَتِهِمْ مَدْفَعٌ أَوْ فِي عَدَالَتِهِمْ مُجَرَّحٌ أَطْرَدَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يَشْهَدُوا بِمَحْضَرِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ابْتِدَاءً أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَةِ صَاحِبِهِ إذَا أَتَى بِهَا إلَّا بِمَحْضَرِهِ، فَإِنْ خَشِيَ الْقَاضِي عَلَيْهِ دَلَسَهُ أَوْ
[ ١ / ٥٦ ]
اسْتِرَابَةً وَرَأَى أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ أَجْمَعُ لِلْفَصْلِ وَأَبْرَأُ مِنْ الدَّخَلِ فَلْيُجِبْهُ، وَإِنْ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُجِبْهُ، وَلَوْ أَجَابَهُ حِينَ سَأَلَهُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ خَافَهُ عَلَيْهِ فَلْيُمْضِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: لَا يَكُونُ إيقَاعُ الشُّهُودِ إلَّا بِمَحْضَرِ الْخَصْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَسَحْنُونٌ لَا يَرَى إيقَاعَ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَصْمُ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِمَحْضَرِ الْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ حَاضِرَ الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، وَلِسَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ قَصَّرَ الْقَاضِي فِي إحْضَارِ الْخَصْمِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ الْمَطْلُوبُ إعَادَتَهَا فَأَرَى أَنْ يُعِيدَهَا إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْبَةِ الْبَيِّنَةِ فَلْيَدَعْ شَهَادَتَهُمْ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ كَالْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنْ كَانَ قَرِيبًا فَلْيُحْضِرْهُ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَيْهِ أَوْ يُحْضِرَ وَكِيلَهُ، وَقَدْ يُذَكِّرُهُمْ أَمْرًا يَنْفَعُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ ثُمَّ إذَا أَحْضَرَهُ أَخْبَرَهُ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ يَوْمَ كَذَا لِتَقَعَ الشَّهَادَةُ بِحَضْرَتِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ خَصْمَهُ بِذَلِكَ يَحْضُرُ فَلْيَسْمَعْهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيُقِرَّهَا عَلَيْهِ إذَا حَضَرَ، وَلَا يُعِيدُ لَهُ الشُّهُودَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ الْحَكَمِ فِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ.