٥٦ - اتِّخَاذ الأجناد وحماية الثغور من أهم الْمصَالح وعزم الْأُمُور. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ﴾ أَي من الْعَدو. وَمن أَخذ الحذر تَكْثِير الأجناد وادخارهم. (٢٣ / ب) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ الْآيَة وَمن الإعداد لِلْعَدو كَثْرَة الأجناد.
[ ٩٤ ]
وَعَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ﷺ]: (اكتبوا لي من تلفظ بِالْإِسْلَامِ) . وغزا النَّبِي [ﷺ] بثلاثمائة وَثَلَاثَة عشر عدد قوم طالوت، وَاعْتمر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة بِأَلف واربعمائة. وَفتح مَكَّة بِعشْرَة آلَاف. وغزا حنينًا بِاثْنَيْ عشر ألفا.
[ ٩٥ ]
وغزا تَبُوك بسبعين ألفا. وَرُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يحمل فِي الْعَام الْوَاحِد على أَرْبَعِينَ ألف بعير. وَلما جِيءَ بِمَال الْعرَاق، قَالَ: لَا وَرب الْكَعْبَة لَا يأوي تَحت سقف حَتَّى أقسمه، وَكَذَلِكَ يفعل رَسُول الله [ﷺ] فِيمَا يَجِيء بِهِ من الْأَمْوَال، وكل ذَلِك دَلِيل على سنة اتِّخَاذ الأجناد، وتكثيرهم، وَأَنه من أهم مصَالح الْإِسْلَام، وَعَلِيهِ جرت (٢٤ / أ) سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِمَام بعد إِمَام، وَلم يزل النَّبِي [ﷺ] وَالْأَئِمَّة بعده يبذلون الْأَمْوَال فِي اتِّخَاذ الرِّجَال. قَالَ بعض الْعلمَاء: اتّفق حكماء الْعَرَب والعجم على هَذِه الْكَلِمَات وَهِي: الْملك بِنَاء أساسه الْجند، فَإِن قوى الأساس دَامَ الْبناء، وَإِن ضعف الأساس سقط الْبناء. لَا سُلْطَان إِلَّا بجند، وَلَا جند إِلَّا بِمَال، وَلَا مَال إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل.
[ ٩٦ ]
وَعَن الْحُكَمَاء: صديق السُّلْطَان جنده، وعدوه مَاله، فَإِن ضعف مَاله ببذله لجنده قوي صديقه وناصره، وَإِن قوي عدوه بِمَنْعه الْجند، ضعف جنده الَّذِي هُوَ ناصره.
٥٧ - وَإِذا كَانَت الْحَاجة إِلَى الْجند كَذَلِك، فَلَا بُد من إدرار أَرْزَاقهم، وسد حاجاتهم، وتفقد أَحْوَالهم، ومصالح عِيَالهمْ، وإلزامهم بِقدر عنائهم، وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا (٢٤ / ب) بصلاح جِهَات الْأَمْوَال وصلاحها بعمارة الْبِلَاد، وعمارتها بِالْعَدْلِ بِاتِّفَاق الشَّرْع وَالْعقل.
[ ٩٧ ]