١٢٣ - إِذا غير السُّلْطَان أَحْكَام الْبِلَاد فِي مقادير الرسوم الْعُرْفِيَّة فِي الْحُقُوق الشَّرْعِيَّة، فَإِن كَانَ الشَّرْع يُجِيز ذَلِك، وَالِاجْتِهَاد فِيهِ: جَازَ، وَيصير الثَّانِي هُوَ الْحق حِينَئِذٍ. وَإِن مَنعه الشَّرْع كَانَ حيفًا مردودًا سَوَاء بِزِيَادَة أونقصان؛ لِأَن الزِّيَادَة حيف على الرّعية وَالنُّقْصَان حيف على بَيت المَال.
فصل (٧)
١٢٤ - وَأما مَا يُؤْخَذ من الضرائب والأعشار من تِجَارَات الْمُسلمين المنقولة من بلد إِلَى بلد، وعَلى مَا يُبَاع من أَنْوَاع الْأَمْوَال، فمحرم شرعا لَا يبيحه شرع، وَلَا يُجِيزهُ عدل، بل هُوَ (٤٨ / أ) مكوس مُعينَة وظلامات بَيِّنَة.
[ ١٤٥ ]
الدِّيوَان الثَّالِث: ديوَان الْعمَّال على جِهَات الْأَعْمَال:
١٢٥ - وَهُوَ يشْتَمل على ذكر ضبط سِتَّة أَشْيَاء: الْمولى ّ، وَالْمُتوَلِّيّ، وَالْعَمَل، وزمنه، وَمَا تصح بِهِ التَّوْلِيَة، والمقرر على الْعَمَل.
١٢٦ - الأول الْمولي: وَشَرطه: أَن يكون جَائِز النّظر فِيمَا ولي فِيهِ، نَافِذ التَّصَرُّف فِيهِ كَالْإِمَامِ، وَالسُّلْطَان، ووزير التَّنْفِيذ. فَإِن ولي على الْعَمَل من لَيْسَ لَهُ فِيهِ نظر من جِهَة ولي الْأَمر، لم تصح التَّوْلِيَة، وَلَا تصرف الْمُتَوَلِي من جِهَته.
١٢٧ - الثَّانِي الْمُتَوَلِي: وَشَرطه أَن يكون موثوقًا بأمانته، مُسْتقِلّا بكفايته لما فِيهِ، جَامعا لشروطه. وَلَا يجوز تَوْلِيَة الذِّمِّيّ فِي شَيْء من ولايات الْمُسلمين إِلَّا فِي جباية الْجِزْيَة من أهل الذِّمَّة أَو جباية مَا يُؤْخَذ من تِجَارَات الْمُشْركين. فَأَما مَا يجبى من الْمُسلمين من خراج أَو عشر أَو غير ذَلِك فَلَا يجوز تَوْلِيَة (٤٨ / ب) الذِّمِّيّ فِيهِ، وَلَا تَوْلِيَة شَيْء من أُمُور الْمُسلمين، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ وَمن ولى ذِمِّيا على مُسلم فقد جعل لَهُ سَبِيلا عَلَيْهِ.
[ ١٤٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعضٍ وَمن يتولهّم مِنْكُم فإنّه مِنْهُم﴾، وَلِأَن تَوْلِيَة الْكَافِر على الْمُسلم تَتَضَمَّن إعلاءه عَلَيْهِ، وإعزازه بِالْولَايَةِ، وَذَلِكَ مُخَالف للشريعة وقواعدها. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ . ونسأل الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
١٢٨ - الثَّالِث، الْعَمَل الْمولى عَلَيْهِ: وَشَرطه، أَن يكون متميزًا عَن غَيره عِنْد الْمولي، وَالْمُتوَلِّيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفسه، وَإِلَى مَحَله: كالقضاء والحسبة، كقضاء إقليم كَذَا وحسبة بلد كَذَا، وَأَن يكون مَعْلُوم الْعَمَل والرسوم والحقوق إِن كَانَ لَهَا تعلق بذلك الْعَمَل.
١٢٩ - الرَّابِع، زمن الْولَايَة وقدرها (٤٩ / أ): فَإِذا قدرت الْولَايَة بِزَمن لم ينظر بعْدهَا، أَو بِعَمَل مُقَدّر لم ينظر بعد فَرَاغه مِنْهُ: كخراج سنة كَذَا، أَو جِزْيَة عَام كَذَا، فَإِذا مَضَت الْمدَّة الْمعينَة أَو فرغ الْعَمَل الْمُقدر انْقَضتْ الْولَايَة، وَإِن لم يقدر الْولَايَة بِمدَّة مُعينَة وَلَا عمل مُقَدّر، وأطلقت إطلاقًا جَازَ، ثمَّ ينظر فَإِن كَانَ الْعَمَل دَائِما: كالقضاء، والحسبة، والشرطة، جَازَ نظره دَائِما مَا لم يعْزل عَنهُ.
[ ١٤٧ ]
وَإِن لم يكن ذَلِك الْعَمَل دَائِما، فَإِن لم يكن مَعْهُود الْعود: كقسمة الْغَنِيمَة فِي غزَاة، انْقَضتْ الْولَايَة بفراغه عَنهُ. وَإِن كَانَ مَعْهُود الْعود: كالخراج، والجزية، وَالْعشر. فقد قيل: إِن إِطْلَاق التَّوْلِيَة يَقْتَضِي عَاما وَاحِدًا وَقيل: يحمل على الدَّوَام مَا لم يعْزل.
١٣٠ - الْخَامِس، مَا تصح بِهِ التَّوْلِيَة: وَتَصِح بِاللَّفْظِ كَسَائِر الْعُقُود كَقَوْلِه: قلدتك كَذَا، ووليتك (٤٩ / ب) كَذَا فِي بلد كَذَا، أَو فِي اقليم كَذَا. وَتَصِح بتوقيع الْمُتَوَلِي بِخَطِّهِ فِي الولايات السُّلْطَانِيَّة، وَإِن لم يتَلَفَّظ لِأَن الْعرف جارٍ بذلك وقاض بِهِ. ثمَّ إِن خصّه وَحده بِالْعَمَلِ كَانَ عزلا لمن قبله، وان نَص على اشتراكهما اشتراكا فِيهِ، وان أطلق الْولَايَة حمل على الْعرف فِي ذَلِك، فَإِن كَانَ الِاشْتِرَاك اشْتَركَا، وان كَانَ الِانْفِرَاد انْفَرد بِهِ، وَكَانَ عزلًا للْأولِ، وان لم يكن قبله فِيهِ عَامل انْفَرد بِهِ وَحده.
١٣١ - السَّادِس: الْمُقَرّر على الْعَمَل: فَإِن كَانَ مَعْلُوما اسْتَحَقَّه إِذا وفى عمله حَقه، فَإِن قصر فِيهِ سقط مِنْهُ مَا يُقَابل مَا قصر فِيهِ، وَإِن زَاد لم يسْتَحق زِيَادَة لِأَنَّهُ فِي زِيَادَته: إِمَّا مُتَبَرّع أَو مُتَعَدٍّ، فَلَا يسْتَحق شَيْئا. وان كَانَ الْمُسَمّى على الْعَمَل مَجْهُولا: بَطل عقده، وَاسْتحق أجره مثل عمله. وَإِن لم يسمّ لَهُ شَيْء فقد قيل: لَا يسْتَحق شَيْئا، وَقيل: يسْتَحق أجره مثل عمله.
[ ١٤٨ ]
وَقيل: إِن كَانَت عَادَته أَخذ الْجَارِي على عمله (٥٠ / أ) اسْتحق أُجْرَة مثله وَإِلَّا فَلَا. وَإِن كَانَ فِي الدِّيوَان مُقَرر مُقَدّر، وَقد عمل جمَاعَة بِهِ، فَهُوَ أُجْرَة الْمثل وَلَا تصير أُجْرَة بِعَمَل وَاحِد فَقَط.