٤ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ (٣ / ب) .
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾ .
ضمن سُبْحَانَهُ نصْرَة الْمُلُوك بِهَذِهِ الشُّرُوط الْأَرْبَعَة، فَإِذا قَامُوا بِهَذِهِ الشُّرُوط تحقق لَهُم النَّصْر الْمَشْرُوط.
٥ - وَيجب نصب إِمَام بحراسة الدّين، وسياسة أُمُور الْمُسلمين، وكف أَيدي الْمُعْتَدِينَ، وإنصاف المظلومين من الظَّالِمين، وَيَأْخُذ الْحُقُوق من مواقعها، ويضعها جمعا وصرفًا فِي موَاضعهَا، فَإِن بذلك صَلَاح الْبِلَاد وَأمن الْعباد، وَقطع مواد الْفساد، لِأَن الْخلق لَا تصلح أَحْوَالهم إِلَّا بسُلْطَان يقوم بسياستهم، ويتجرد لحراستهم؛ وَلذَلِك قَالَ بعض
[ ٤٨ ]
الْحُكَمَاء: جور (٤ / أ) السُّلْطَان أَرْبَعِينَ سنة خير من رعية مُهْملَة سَاعَة وَاحِدَة.
وَنقل الطرطوشي. ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ قيل فِي مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن الله تَعَالَى أَقَامَ السُّلْطَان فِي الأَرْض يدْفع الْقوي عَن الضَّعِيف، وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه؛ لتواثب النَّاس بَعضهم على بعض، ثمَّ امتن الله تَعَالَى على عباده بِإِقَامَة السُّلْطَان لَهُم بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين﴾ .
[ ٤٩ ]
وَرُوِيَ فِي الحَدِيث: " السُّلْطَان ظلّ الله فِي الأَرْض يأوي إِلَيْهِ كل مظلوم من عباده، فَإِذا عدل كَانَ لَهُ الْأجر وعَلى الرّعية الشُّكْر، وَإِن جَار كَانَ عَلَيْهِ الإصر وعَلى الرّعية الصَّبْر ".
وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِمَام عَادل خير من مطر وابل. وَذَلِكَ لِأَن النَّاس على دين الْملك، فَإِذا عدل لَزِمت الرّعية الْعدْل وقوانينه، (٤ / ب) فانتعش الْحق، وتناصف النَّاس، وَذهب الْجور، فترسل السَّمَاء بركاتها، وَتخرج الأَرْض نباتها، وتكثر الْخيرَات وتنمو التِّجَارَات.
وَقيل: لَيْسَ فَوق رُتْبَة السُّلْطَان الْعَادِل رُتْبَة إِلَّا نَبِي مُرْسل أَو ملك مقرب. وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل ﵁: لَو كَانَت لي دَعْوَة
[ ٥٠ ]
مستجابة لَدَعَوْت بهَا إِلَى السُّلْطَان، لِأَن فِي صَلَاحه صَلَاح الْبِلَاد والعباد، وَفِي فَسَاده فسادهما.
وَقيل: السُّلْطَان من الرّعية كالروح من الْجَسَد، فَإِن استقام مزاجها استقام مزاج جَمِيع أَعْضَائِهِ وحواسه، وَإِن فَسدتْ فسد مزاج الْأَعْضَاء بفسادها، وتعطلت أَحْوَال الْجَسَد.