كتب الطرسوسي تحفته، وهو في ريعان الشباب، قبل أن يعتبط بخمس سنوات، مليئًا بالحيوية والميل الفطري إلى الحق والعدل، متأثرًا بالبيئة العلمية التي احتضنته وربته ووجهته، كاشفا من خلالها واقع ذوي الجاه والسلطة من جهة، وما تعانيه الأمة من ظلم وعسف وتسلط وفساد من جهة أخرى؛ فكان ما كتب لحنًا نشازًا بين سلوكيات عصره، وكانت توجيهاته الفقهية والسياسية والإدارية والعسكرية التي تضمنتها التحفة احتجاجًا ضد تعفن الأجهزة الحاكمة، وتحللها من ضوابط العقل والدين. إلا أنه احتجاج لم يرقَ إلى مستوى التمرد والثورة أو الدعوة إليها، لأسباب عدة، منها ما هو راجع إلى طبيعة الثقافة الفقهية السائدة التي غذي بها مبكرًا، ومنها ما هو راجع إلى يقينه بأن موجة الفساد أكبر منه، وأن الجهود الفردية لا تجدي.ومنها ما هو راجع إلى اتعاظه بما عاناه بعض علماء عصره عامة، وعلماء أسرته خاصة. لذلك يلحظ المرء في كتابته نوعًا من الازدواجية، فهو عندما يتحدث عن وجوب طاعة الحكام وعدم اشتراط القرشية والعدالة والاجتهاد فيهم، يصرح بأن عصره خالٍ تمامًا من الحاكم العادل الكفء التقي، ويشعر قارئه بأن عبارات مجاملته للحكام لا تكاد تتجاوز تراقيه؛ وعندما يتحدث عن الظلم والفساد فإنما برنة تزخر بالصدق والاستنكار والتوجيه المباشر إلى التغيير والإصلاح. ولقد أثار في تحفته قضايا كثيرة، عقدية وسياسية، واجتماعية واقتصادية وعسكرية؛ درس كل ذلك ووجه إلى ما ينبغي أن يكون عليه السلوك القويم المبني على قواعد الإسلام. وسواءٌ وافقنا على اجتهاداته وآرائه أم لم نوافق، فلا بد أن نسجل أنه في كل ما كتب كان صادقًا مخلصًا، محاولًا شق طريق إلى الإصلاح، بمختلف ضروب الاستنباط الفقهي والحيل الشرعية المبنية على قواعد الاستنباط الأصولية. وبذلك كان منهج توجيهاته يتأرجح بين فقه العزائم من جهة، وبين فقه الرخص من جهة أخرى؛ وبين فقه الأدلة الأصلية كتابًا وسنةً وإجماعًا وقياسًا، وبين فقه الأمارات استحسانًا واستصحابًا وسدًا للذرائع؟ وهذا المنهج في الاستدلال متسع متشعب، مذاهب الخلاف فيه مشرعة.لذلك وجد فيه صاحبنا مجالًا واسعًا للانتقاء، ولنقد المذاهب المخالفة لمذهبه الحنفي. ففي المجال السياسي المتعلق بشرعية الحاكم، كان شعاره العمل بالرخص وسد الذرائع إلى الفتنة، وارتكاب الضرر الأخف دفعًا للضرر الأقوى، والحفاظ على تماسك الوضع الداخلي لدفع العدو الخارجي. وفي مجال " فقه البغاة " نجده يحاول التخفيف بوضوح من جنوح بعض الفقهاء إلى التشدد والقسوة وإراقة الدماء، فيميز بين الخارجين تظلمًا، والخارجين لخلاف سياسي، أو طلبًا للسلطة وصراعًا من أجلها. وفي مجال العقيدة نلفيه متشددًا في أمرها، سالكًا نهج العزيمة، معرضًا عن الرخص، وعن محاولة استيعاب مخالفيه في الرأي أو تجاوز أخطائهم. وفي الميدان المالي والإداري، مصادر للدخل، وتوجهات للإنفاق، وتوظيفًا ومحاسبة وتأديبًا، يحاول تأصيل منهج يعيد الأمر إلى مصادره في الكتاب والسنة، من أجل ضبط التصرفات، وتوزيع المسؤوليات بما يحفظ مصلحة الأمة، وهيبة أجهزتها، وسمعة شخصيتها الاعتبارية.
[ ٢٠ ]
وفي الميدان الحربي يبدو المنهج الحنفي واضحًا في تعامله مع المرأة، وتساهله في معاقبتها أو إقامة الحدود عليها. كل هذه الميادين - وغيرها - خاض الطرسوسي غمارها، وأبدى فيها ما رآه وسيلة للإصلاح. إلا أن استعراض كل هذه المواضيع ومناقشته أو مناقشة فقهائنا حولها يخرج بنا عن إطار التقديم للكتاب، إلى مجال التأليف والتصنيف. لذلك نكتفي بعرض موجز لأهم المهم منها فيما يلي: