موضوع الخلاف في الأحكام الشرعية العملية واسع الأكناف متشعب الأطراف له صلة بعدة علوم، علوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه وأصوله وقواعده، والتعارض والترجيح، والمنطق والبحث والمناظرة، كما أن له ارتباطا بواقع الأمة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. لذلك لا تفي هذه الفذلكة بحقه من الدرس والبحث والتحليل؛ وإنما نكتفي فيها بالإشارات الموجزة التي لا تخل بالمعنى، وتفسح المجال لفهم مغاليق التحفة ومسارها ونهج صاحبها فيها. ذلك أن الخلاف الفقهي نشأ بعد وفاة الرسول (ص) واضطرار المسلمين لاستنباط أحكام قضايا من نصوص يوهم بعضها بالتعارض، أو أحكام حوادث توهم بأن ليس لها في الكتاب والسنة حكم معين. فالخلاف في هذا العهد كان مبنيا على فهم النصوص والحمل عليها حملًا عفويًا تلقائيًا، ثم أضيف إلى ذلك إجماع الصحابة المستند إلى النصوص. ثم بعد جيل الصحابة تتابعت أدوار التشريع واحدا تلو الآخر، فنشأ علم الفقه واتسع الاستنباط بكثرة الحوادث. ذلك أن النصوص متناهية والحوادث متجددة غير متناهية؛ فعكف طائفة من التابعين على الفتوى كسعيد بن المسيب في المدينة وعلقمة وإبراهيم النخعي بالعراق، معتمدين في استنباطاتهم على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وفتاواهم، ينهج بعضهم نهج القياس، وينهج آخرون نهج المصلحة إن لم يكن نص. ثم بزغ عصر الأئمة المجتهدين، فاتضحت مناهج الاستنباط وتميزت طرق الاستدلال واتسع الخلاف بين الأئمة تبعًا لمناهجهم. فكان أبو حنيفة ﵁ مثلًا يلتزم بالكتاب والسنة وما أجمع عليه الصحابة، فإن لم يجمعوا تخير من آرائهم لا يخرج عنها، ولا يأخذ برأي التابعين وتابعي التابعين لأنه منهم وهم رجال مثله؛ كما كان له منهجه في اعتبار العام قطعيًا لا يخصصه إلا قطعي أو خبر مشهور، فإن خصص بأحدهما صار ظنيًا، ومنهجه في الأخذ بالقياس والاستحسان. ثم كان مالك - ﵁ - فسار على منهج خاص به في الأخذ من الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة والإجماع، وعلى ما اشترطه في رواية الحديث ونقده، وما تقتضيه ظروف المصلحة وسد الذرائع والاستحسان، وغير ذلك من دلائل وأمارات. ثم جاء الشافعي - ﵁ - فجمع مقاصد العلم ومناهجه في الرسالة، وكان بذلك أول من صنف قواعد الاستنباط ورتبها ورسم معالمها، وجمع فيها بين منهجي النعمان ومالك؛ وهذا ليس بغريب منه، فهو تلميذهما ووارث سرهما وابنهما البر، ولا اعتبار لما اختلف فيه الأتباع وشجر بينهم بعنف تجاوز حده، وتوتر عصف بأسباب الود. ثم تتابع تطور هذا العلم من قبل مدرستي المتكلمين والفروعيين، وارتقى الحوار والتأليف والتصنيف فيه إلى نشوء علم جديد هو " علم الخلاف " المبني على المنطق والمناظرة، وهو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبه وقوادح الأدلة بإيراد البراهين القطعية. فدارت بين الفقهاء الخلافيين مناظرات في أعيان المسائل الفقهية المنسوبة إلى أئمتهم، مما شحذ العقول ووسع المدارك وفتح آفاقًا للتشريع والتنظير، وفهم دقائق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فهمًا لم يتيسر لغير الفقه الإسلامي على مدار تاريخ الإنسانية.
[ ٢٢ ]
ولو لم تعترض طريق الأمة، محنة انهيار نظم الحكم والمجتمع، وتوقف حركة العلم والفكر والاجتهاد، لكان للفقه الإسلامي شأن في حياة البشرية المعاصرة على اختلاف أديانها واتجاهاتها ومللها ونحلها. ومع ذلك، بأدنى مراجعة لتشريعات الغرب الحالية يتضح أن معظمها - قوانين ومساطر إجرائية -، متأثر بالفقه الإسلامي أصولًا وفروعًا قواعد ومناهج. ونحن إذا ما استعرضنا مجالات الخلاف في الأحكام الشرعية العملية المستنبطة وأسبابه، على مدار مراحل التشريع المتعاقبة، ألفينا أنها لا تكاد تخرج عن صنفين من الأحكام: صنف راجع إلى نصوص هي الأدلة النقلية كتابًا وسنةً وإجماعًا، أو حملًا عليها بالقياس. صنف راجع إلى أمارات هي ما سوى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، مثل الاستحسان والاستصحاب وسد الذرائع وفتحها والمصلحة المرسلة والعرف، والعدول عن القياس الجلي الضعيف إلى القياس الخفي القوي، وما سوى ذلك من أمارات تكاد تصل الخمسين. أما الصنف الأول فمن أهم أسباب الخلاف فيه: قطعية دلالة النصوص وظنيتها. فالنص قطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلًا، ولا مجال لفهم غيره منه. والنص ظني الدلالة هو ما يكون محتملًا لأكثر من معنى واحد. النصوص الموهمة بالتعارض مثل أن يحكم الرسول (ص) حكمًا في حالة، وحكمًا آخر بالنسبة للمسألة ذاتها في حالة أخرى. فيتوهم المجتهد التعارض، ولا تعارض لاختلاف الحكمين باختلاف الحالتين. منهج الفقيه في قبول أخبار الآحاد وسبرها ونقدها. فابن حنبل مثلًا يستغني بخبر الآحاد ولو ضعيفًا عن القياس والرأي، ومالك يشترط موافقة الصحيح لعمل أهل المدينة، والظاهرية يعتبرون الآحاد قطعية توجب العلم اليقين في العقيدة والعمل. قد يبين الشرع طريقتين أو طرقًا لبعض التصرفات الشرعية، والأخذ بأيّ منها جائز. فيتوهم بعض المجتهدين تعارضًا بين هذه الطرق. قد يكون الخلاف بسبب وقوع نسخ لم يعلم به الفقيه. قد يرد في الكتاب والسنة لفظ عام يراد به العموم، وآخر عام يراد به الخصوص، وقد يرد بصيغة الخصوص فيبدو من ظاهر الألفاظ التعارض ولا تعارض. كيفية تناول ألفاظ النصوص كتابًا وسنةً، وتأويلها، وتمييز نصها من ظاهرها ومحكمها من مفسرها، وخفيها من مشكلها،ومجملها من مبينها. الاختلاف في تعيين دلالات الألفاظ وهل هي بإشارة النص أو مفهوم الموافقة أو الأولى أو الاقتضاء، أو المخالفة، أو مفهوم اللقب، أو الوصف، أو الشرط، أو الغاية، أو من حيث دلالة الشمول في اللفظ عاما وخاصا، مطلقا ومقيدا، وكيفية تخصيص العام بالمتواتر أو الآحاد أو القياس أو المصلحة. وهذه الشمولية في مجال الاختلاف ليست عيبا في الفقه الإسلامي. بل هي من مميزات كماله ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان وحال. ومن خصائص شريعته الربانية ودينه الذي نسخ ما سبقه من أديان، ونبيه الذي ختمت به النبوة، وأحكامه التي هي حجة للناس أو عليهم إلى يوم القيامة. أما الصنف الثاني: من الاستنباطات الفقهية الراجعة إلى ما سوى الأدلة الأصلية، كتابًا وسنةً وإجماعًا وقياسًا، وهي التي ركز عليها صاحب التحفة في خلافاته مع فقهاء غير مذهبه، فلابد أن نشير أولا إلى منهجي المذهبين الحنبلي والظاهري فيه. ذلك أن المذهب الحنبلي هو أشد المذاهب الأربعة حرفية في تناول الكتاب والسنة والإجماع، وفرارًا من الرأي والحيل الشرعية والاستحسان؛ حتى إن فقهاءه لا يقيسون إلا عند الضرورة، ويفضلون على القياس خبر الآحاد أو الخبر الضعيف. وأدلة الشرع عندهم ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل، واستصحاب حال. والأصل عندهم ثلاثة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. والكتاب عندهم ضربان: مجمل ومفصل. والسنة ضربان: مسموعة من النبي (ص)، ومنقولة عنه. والمنقول عنه (ص): متواتر وآحاد، قول وفعل. أما المذهب الظاهري فهو أكثر تشددًا من الحنابلة في هذا الصنف من الاستدلال؛ لأنه لا يعترف إلا بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وينكر القياس والتقليد والاستحسان، وسد الذرائع، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وما في حكم ذلك من الأمارات؟؛ وفقهاؤه يستندون في رفضهم لهذه الأدلة على ما فهموه من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول. فمن الكتاب قوله تعالى:) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكِ بِهِ عِلْمٌ (الإسراء ٣٦. وقوله تعالى:) يا أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُوْلِهِ (الحجرات ١. وقوله تعالى) وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُوْنَ (الأعراف ٣٣. ومن السنة: قوله (ص): " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". وقوله (ص): " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم ". الحديث الأول عن أبي ثعلبة الخشني - (جامع المسانيد والسنن ١٣/٤٥٤) . والحديث الثاني رواه البخاري ومسلم. ومن الإجماع أن كثيرًا من الصحابة قد ذم الرأي وسكت الباقون، فاعتبر هذا إجماعًا. وقد نقل عن أبي بكر - ﵁ - قوله: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي) . وقال عمر ﵁: (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) .
[ ٢٣ ]
ومن المعقول عندهم أن الله تعالى ذم المنازعة والخلاف في القرآن الكريم، ونهانا عن الفرقة والتشتت فقال ﷿:) أَنْ أَقِيْمُوا الدِّيْنَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيْهِ (الشورى ١٣. وصريح القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا، لأن الاختلاف سببه اشتباه الحق وعدم ظهوره، لانعدام العلم الذي يفرق بين الحق والباطل. والقياس يتضمن اشتباه الحق وعدم ظهوره لأنه من غير الله، فهو تشريع بشري، والتحاكم إليه تشريع بغير ما أنزل الله.) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّيْنِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ (. الشورى ٢١.) اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُوْنِ اللهِ (التوبة ٣١. وقد سئل داود الظاهري: (كيف تبطل القياس وقد أخذ به الشافعي؟) فقال: (أخذت أدلة الشافعي في إبطال الاستحسان فوجدتها تبطل القياس) . إن القضايا المتعلقة بهذا الصنف من الاستنباط من غير الأدلة الأصلية، حقيقة واقعة في المجتمع، حدثت وتحدث، ويتجدد شبيه لها ومخالف لها في كل عصر. والفقه الإسلامي واحد في هدفه ومواضيعه. ينبع من أصل واحد هو الكتاب والسنة. إلا أنه يتأثر بالبيئة التي يعمل فيها، تجارية أو سياسية أو اجتماعية، سلمًا أو حربًا. ولا بد من تنظيم حياة الناس في هذا المجال، واستحداث حلول تساير النشاط البشري دفعًا للتظالم، وتحقيقًا للعدل والسلم، وتوفيرًا لظروف تساهم في رقي الأمة ونهضتها. ولذلك رأى الفقهاء ضرورة استنباط أحكام للشرع في هذا الاتجاه. هذا الموقف عكس أيضًا مرونة التشريع الإسلامي وصلابته وبعد غوره، وإعجازه وصلاحيته لكل ظرف وحال. لكن مربط الفرس في الخلاف بين هذه المذاهب وبين المذهب الظاهري، هو جواز اعتبار هذه الاستنباطات تشريعًا إسلاميًا أو عدم جواز ذلك. فإذا اعتبرناها تشريعًا إسلاميًا خضعت للأحكام التكليفية الشرعية الخمسة ودخلت تحت طائلة الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، وما يستتبع ذلك من جزاءات دنيوية وأخروية، باعتبارها عبادةً لها أجرها أو ذنبًا له وزره. ففقهاء المذاهب الأربعة الذين جشموا أنفسهم مشقة الاستنباط، رأوا أن لكل قضية حكمًا لله فيها يجب على المجتهد إظهاره، وإلا أثمت الأمة كلها. لأن الاجتهاد فرض كفاية وفقهاء المذهب الظاهري يرون أن هذا الصنف من القضايا متروك على أصل البراءة، والحكم فيه بقاء ما كان على ما كان؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بحكمه فيه رحمة بنا وتوسعة علينا. إلا أن إهمال هذه القضايا وعدم تنظيم حياة الناس فيها مما يؤدي إلى الفوضى والتناقض، ويساهم في انتشار الظلم، ويعوق حركة المجتمع الإيجابية. ونحن في هذا الأمر بين رأي الظاهرية الذين يكادون يكفرون المجتهدين فيه، وبين فقهاء المذاهب الأخرى الذين يرون ترك الاجتهاد فيه إثمًا وتفريطًا. ولكل فريق رأي وجيه إن جرد من التشنج والتعصب. فكيف نوفق بين الموقفين؟ كيف ننظم حياة الناس في هذه المجالات المستحدثة المتجددة، دون أن نكون قد تدخلنا في التشريع الإلهي، وحكمنا بغير ما أنزل الله، ودون أن نأثم بالتوقف عن الاجتهاد والمساهمة في حل مشاكل المسلمين؟ ينبغي أولًا أن نرد على الظاهرية بأن مفهومهم لأصل البراءة فيما ترك فيه التشريع رحمة، ليس مبررًا لتركه فوضى، بدعوى أن النص لم يبينه، أو أنه منعنا من تنظيمه وتقنينه؛ لأن الرحمة لا تعني ترك النظام والتنظيم، ولكن تعني عدم المساءلة الأُخروية فيه. كما أن المذاهب الأخرى وجهة نظرها مقبولة، من حيث وجوب تنظيم حياة الناس في هذا الصنف من القضايا؛ إلا أن جعل ما يستنبطونه فيه شرعًا إسلاميًا صرفًا فيه نظر. ولا شك أن استنباطاتهم هذه نابعة من صميم الشريعة الإسلامية، وناشئة في ظلها وبتوجيهاتها العامة وحكمتها ومقاصدها ورحمتها. إذ من الطبيعي أن تنشأ في ظل كل تشريع أو قانون، تشريعات أو قوانين جزئية نابعة من روحه. فالقوانين الوضعية في أغلب البلاد الإسلامية مثلًا، ناشئة من روح القوانين الأوربية وفي ظلها، والقوانين الأوربية الحالية ناشئة من روح القوانين الرومانية الوثنية وفي ظلها. فإذا كانت هذه الاستنباطات الفقهية في هذا الميدان ناشئة من روح الشريعة الإسلامية وفي ظلها، وكان للدولة الإسلامية أن تتبنى بعضها وترفعها إلى مستوى قوانين ملزمة، وتقرر لمخالفتها جزاءات تنظيمية وإدارية وتعزيرية، من غير أن تدخلها تحت طائلة الإثم والمخالفة الدينية، نكون قد وفقنا بين المذاهب الأربعة وبين المذهب الظاهري، وقربنا شقة الخلاف، وفتحنا باب الوحدة التشريعية بين المسلمين، وفسحنا المجال لتطور المجتمع وتسريع حركة التجدد فيه. إلا أننا بهذا النهج في التعامل مع الموضوع محتاجون إلى: مراجعة شاملة ودقيقة لكل الاجتهادات الفقهية في هذا الميدان، وتصنيفها والاستفادة منها. وسوف نكتشف أن مجرد أحادية نظرتنا وتشنجنا، هو الحائل بيننا وبين الاستفادة منها. ولنضرب مثلًا لذلك، قضية فقهية بسيطة هي ما عرف بإزالة النجاسة بما سوى الماء، كالخل مثلًا. وهي جائزة عند أبي حنيفة ولا تجوز عند الشافعي. لكننا إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، وجدنا أن فقهاء جميع المذاهب أصبحوا يعملون بديهة منهم وسليقة برأي أبي حنيفة؛ لأنهم يرسلون ملابسهم إلى المغاسل الآلية العامة التي تنظف بغير الماء، أي بالمواد الكميائية. فالمذهب الحنفي مثلًا في هذا الموضوع متقدم جدًا على غيره. وكذلك نجد أن كل مذهب آخر متقدم على غيره في مجال آخر. اعتبار المذاهب الإسلامية كلها مجرد مدارس علمية فقهية لا غ ير، تتكامل فيما أصابت فيه وتتناصح فيما أخطأت فيه، وتتعاون لتنظيم شؤون الناس المتروكة لاجتهاد البشر رحمة من رب العالمين، تحت راية القرآن والسنة. إذ التفريط فيها يضر بالتشريع الإسلامي نفسه، والتفريط فيما حول الحمى يعصف بالحمى، والمحافظة على المندوب تحفظ الواجب، والذريعة إلى الإخلال بالمروءة إخلال بالمروءة في واقع الأمر. إلا أن هذا الاتجاه له من المحاذير والمخاطر ما يوجب التنبه له ومعالجته بيقظة وحزم. فقد يتخذ ذريعة للتحلل من أحكام الشرع، أو المجادلة بالباطل دون علم وصدق توجه. إذ ما حرف الاجتهاد أحيانًا عن مساره الصحيح، إلا المجتهدون المغرضون، الراغبون في الدنيا، المعرضون عن الآخرة، أو الجهلة الذين يقتحمونه بهوى أنفس وفراغ عقول.