المماليك لغة: الأرقاء، ج مملوك، وهم حكام مصر والشام في هذا العصر. وظاهرة حكم المماليك في الدولة الإسلامية من الظواهر الغريبة التي ندر حدوثها في التاريخ؛ وإن كانت الأحداث التي سبقتها قد مهدت لها طبقًا لسنن الاجتماع البشري وقواعده. ونظام الرق معروف لدى جميع الشعوب، ومنهم العرب. وكان مصدره التقليدي الأسر في الحروب، والقرصنة والاختطاف من البلاد النائية والبدائية؛ لا سيما في فترات المجاعة والكوارث الطبيعية. وعندما بعث الرسول (ص) وجد نظام الرق أحد أهم دعائم الاقتصاد في المجتمع الجاهلي، فوضع الإسلام لتصفيته تشريعات متدرجة، كفيلة بتصفيته. أغلق أولًا باب الرق مما سوى الحروب التي كانت خاضعة لقانون المعاملة بالمثل، وحرم الاسترقاق بالاختطاف والقرصنة ومختلف أساليب التعدي (٣٣)، ثم كفل للأسرى - الرقيق الحربي - مجالًا واسعًا إنسانيًا، يتمتعون فيه بحريتهم الدينية والفكرية والعلمية والإنتاجية، وحقوقهم البشرية زواجًا وطلاقًا وإنجابًا وكسبًا، وهو ما لم توفره لحد الآن، أمة من الأمم للأسرى على مدار التاريخ؛ كما فتح لتحريرهم من الرق أبوابًا أخرى لم تفتحها لهم أمة أبدًا، عتقًا بمختلف الكفارات، وعتقًا إذا اعتدي عليهم بالضرب أو اللطم، وعتقًا بالتطوع والفداء، والمن والمكاتبة. وسار التشريع الإسلامي في هذا المجال إلى أبعد الحدود، فجعل هزل العتق جدًّا، حفاظًا على كرامة الأسرى وحماية لهم من الهزل والسخرية. ولو استمرت أحوال المسلمين طبقًا لما شرعه الإسلام في هذا المجال، لصفي الرق في وقت مبكر من تاريخ الإنسانية. لكن ملوك المسلمين استطابوا خدمات الرقيق إناثًا وذكورًا، وضربوا بتعاليم الإسلام في أمره عرض الحائط، وشجعوا استجلابه بكل الوسائل والطرق غير الشرعية وغير الإنسانية، واستخدموا العبيد والإماء في خدمات الأرض، والفلاحة والإسطبلات والبيوت، وفي الأعمال (الترفيهية) غناء ورقصًا؟. برز هذا الاتجاه في عهد المعتصم العباسي (٣٤)، وكانت أمه تركية، حيث اعتنى باقتناء أطفال الترك واستخدامهم في حرسه وجنوده، اتقاء لخطر العرب الساخطين، والفرس الناقمين؛ وكان يجلبهم من أقاليم ما وراء النهر، من سمرقند وفرغانة والسند، وأشروسنة والشاش والقوقاز، فبلغ ما اقتناه منهم بضعة عشر ألفًا حكم بهم البلاد، ثم ما لبث هذا الجيش أن صار وبالًا على العباسيين أنفسهم. وعقب ذلك نشط سوق الرقيق لدى جميع الدويلات المنشقة عن السلطة المركزية، فاتخذه الطولونيون والإخشيديون والأيوبيون، وغيرهم في مشارق الوطن الإسلامي ومغاربه؛ ولم يقتصر امتلاكه على الملوك والسلاطين، بل شغف به قادة الجيش والأمراء والأغنياء والفقهاء، حتى صار الرق سمة رقي ورفعة ونبل؛ فاتسعت مصادره باتساع تجارته، وشملت أعالي نهر جيحون وخوارزم ونيسابور ومرو، وبلغاريا العظمى الممتدة من بحر قزوين إلى الأدرياتيكي، عبر ميناء الدربند - باب الأبواب - عاصمة أذربيجان، وجميع طرق التجارة في ذلك العصر، كما اتخذت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والأندلس والسلوفاك وبولونيا وروسيا والقسطنطينية طرقًا أخرى لهذه التجارة؛ ونشط اليهود - كعادتهم - في هذا المجال، خاصة يهود سكسونيا الشرقية، وأنشؤوا مراكز تجمع للرقيق، ومراكز خصاء، وأسواق نخاسة خاصة للكبار والأعيان، وأسواقاعامة لغيرهم. وكان " السادة " يتسلَّمون مماليكهم أطفالًا، ويسلمونهم في أوقات فراغهم من الخدمة إلى فقهاء يربونهم على الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم، ثم يلحقونهم بدورات للتدريب على الفروسية والقتال، ثم يلتحقون بالخدمة العسكرية، ويرقون فيها بالتدريج، من الإسطبلات إلى الحراسة الأمنية، إلى قيادة عشرة، إلى إمارة السرايا والجيوش، إلى الإمارة على بعض المرافق السلطانية. وشكلت فرق المماليك في عهد الفاطميين قوة هائلة كبحت جماح العناصر العربية في كل المجالات. ثم بعد تصدع دولة السلاجقة (٣٥) نجح مماليكهم " الأتابكة (٣٦) " في إقامة عدد من الدويلات، مثل أتابكية دمشق، وأتابكية الموصل وأتابكية أرمينية، وأتابكية أذربيجان؟. ثم قامت دولة نجم الدين أيوب (٣٧) في مصر، واستكثر من المماليك الأتراك، وكون منهم معظم جيشه؛ فلما مات وقتل ولده توران (٣٨)، خلفته على سلطنة مصر سنة ٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م، حظيته المملوكة شجرة الدر، فتزوجت وزيرها المملوك عز الدين بن أيبك؛ وبعد أن قَتَلَتْ زوجَها ثم قُتِلَتْ عقبه، تتابع المماليك على سلطنة مصر إلى سنة ٩٢٣ هـ - ١٥١٦ م وكان منهم في عصر المؤلف - النصف الأول من القرنين الثامن الهجري، والرابع عشر الميلادي - على التتابع، ابتداء من سنة ٦٩٨ هـ - ١٢٩٩م: ركن الدين بيبرس الثاني - الناصر محمد بن قلاوون - المنصور بن الناصر - الأشرف علاء الدين كجك بن الناصر - شهاب الدين بن الناصر - الصالح إسماعيل بن الناصر - شعبان الأول بن الناصر - حاجي الأول بن الناصر - الحسن بن الناصر - صلاح الدين بن الناصر - الحسن بن الناصر في ولايته الثانية التي دامت من ٧٥٥ هـ - ١٣٥٤ م، إلى سنة ٧٦٢ هـ - ١٣٦١ م، وفي عهده توفي المؤلف نجم الدين الطرسوسي سنة ٧٥٨ هـ. وكون المماليك في مصر عصبية متينة لا عهد للأمة الإسلامية بها، هي عصبية الرق، بعد أن تفتتت عصبية الدين مللًا ونحلًا، وعصبية الدم قبائل وشعوبًا؛ وساعد على تقوية عصبية الرق وتمتينها عدة عوامل، أهمها الحياة القاسية التي عاشها المماليك في صغرهم؛ فقد اختطف أكثرهم وانتزعوا من أسرهم صبية، وذاقوا مرارة الغربة والشتات والرعب، وتجرعوا قسوة الخصاء والنخاسة، ومهانة الاستخدام لدى الأمراء والأغنياء، وتناقض الدين الجديد الذي لقنوه مع واقع الأسياد الذين انتحلوه، فجففت هذه المحن قلوبهم من الرحمة واللين، والوفاء والشفقة، وملأتها حقدًا على غيرهم، سواء من الأسياد، أو من الشعوب العربية الخانعة لهؤلاء الأسياد. فلما استولوا على السلطة كونوا من بني (رقهم) جيشًا ضاربًا قويًا، وتمسكوا بالحكم، ودافعوا عنه بشدة؛ وكان منهجهم في ذلك القتل بالشبهة، والاستئثار بالأموال والإقطاع وسائر الخيرات، وترك العامة لمصيرهم المظلم جوعًا وفاقة وجهلًا ومرضًا؛ واستعانوا بطائفة من الفقهاء في الميادين المتعلقة بشؤون العامة، قضاء وحسبة وأوقافًا ووعظًا وتدريسًا، وتنفيذًا للشريعة مواريث وأنكحة وحدودًا وتعازير.
[ ٧ ]
فكان الحكم في هذا العهد بين طائفتي المماليك والفقهاء، المماليك في السلطة والسياسة والمال والقوة العسكرية، والفقهاء في الشرع وأحكامه، وتوظيف استنباطاته لترويض العامة وحملهم على طاعة ولي الأمر. كما استحدث المماليك أسلوبًا شيطانيًا لضمان ولاء الفقهاء وضبطهم والتحكم فيهم، أسلوبًا مبنيًا على التفرقة وتسليط بعضهم على بعض، وإخضاع بعضهم ببعض، فعينوا لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة قاضي قضاة له نواب في المناطق النائية. (٣٩) ووزعوا قضاء العسكر والحريم والأوقاف والنظارة والحسبة على فقهاء السنة، وحرضوهم على بقايا التشيع التي تركها الفاطميون في المنطقة؛ فكان الرجل ينتقد الفساد المستشري، فيتهم بشتم الصحابة أو التشيع، وتقام عليه الحجة بعدول (٤٠) (الوقت)، ثم يحال على القاضي المالكي الذي يجيز قتل ثلث الأمة استصلاحًا. ثم أذكوا نار التحاسد والبغضاء بين فقهاء السنة أنفسهم، وألقوا إليهم الأموال، فتكونت من بعضهم طبقة من الأثرياء لا هم لهم إلا التنافس على ثلاثة مكاسب دنيوية: أيهم أكثر ولاء للمماليك واستنباطًا للأحكام التي تضفي الشرعية على نظامهم وتصرفاتهم، فيزداد قربًا منهم وتمكينًا لديهم، وأيهم يكون أكثر أموالًا وأتباعًا من غيره، وأيهم يؤلف الكتب ويهديها إلى كبار رجال السلطة فترتفع منزلته عندهم. ثم استحدث المماليك سلاحًا آخر لضبط العلماء، هو عبارة عن مجالس تأديبية منهم، لمحاكمة بعضهم بعضًا؛ فكان الفقيه إذا أظهر تأففًا أو إنكارًا لمنكر، أو بدا منه ما يشير إلى صحوة ضمير، استغلت خلافاته الفقهية الاجتهادية مع منافسيه وخصومه من الفقهاء، وانتحلت له تهمة مخالفة الشرع، وعقد له مجلس من قضاة المذاهب وفقهائها، ثم عوقب تشهيرًا أو جلدًا أو سجنًا؛ وقد ذهب ضحية هذه الأساليب القمعية أعيان من الفقهاء المجتهدين الأفذاذ، على رأسهم ابن تيمية (٤١) ﵀. إن عصر المماليك هذا كانت له آثار سلبية مدمرة، في عدة ميادين اجتماعية واقتصادية وثقافية، إلا أن منجزاته في مجال الدفاع عن أرض الإسلام كانت إيجابية ورائعة وليس لها مثيل؛ ذلك أن الحياة القاسية التي عاناها المماليك في صباهم، والتربية الدينية والعسكرية التي نُشِّئوا عليها، كونت منهم مقاتلين أشداء، وفرسانًا أقوياء، ومدافعين عن سلطانهم مستميتين؛ واجهوا المغول وألحقوا بهم الهزائم، وأوقفوا زحفهم، وواجهوا بقايا الصليبيين في الشام، وأجلوهم عن المنطقة نهائيًا. وفي الوقت الذي انحسر فيه النفوذ العربي عن السلطة في مشارق الوطن ومغاربه، وانكفأ العرب في غمار العامة المستضعفين، قيض الله للأمة هذه الطائفة من الأعاجم الغرباء، قاتلوا أعداءها وجاهدوهم، فأبلوا في ذلك البلاء الحسن. وإذا ما استعرضنا الوضع العسكري في ظروف قيام دولة المماليك، تبين لنا أن البلاد كانت بين مطرقة المغول شرقًا، وسندان الصليبيين غربًا؛ فنصارى أوربا برغم هزيمتهم على يد صلاح الدين، بقيت لهم في الساحل الفلسطيني حصون ومستعمرات كثيرة، مثل طرابلس وصور وحيفا وصيدا وغيرها؛ كما ظلت الحملات الصليبية تتوالى على الشام ومصر وسواحل إفريقية؛ فكانت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ملك ألمانيا هنري السادس سنة ٥٩٤ هـ - ١١٩٧ م، والحملة الرابعة بجنودها من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا سنة ٥٩٨ هـ - ١٢٠٢م، والحملة الخامسة بقيادة لويس التاسع وجان دي بريين ملك بيت المقدس (٦١٦ هـ - ١٢١٩م)، والحملة السادسة بقيادة ملك صقلية فريدريك الثاني، بعد أن دعاه الملك الكامل محمد ليسلم إليه ثانية بيت المقدس، نظير أن يساعده ضد أخيه المعظم عيسى (٦٢٤ هـ - ١٢٢٧ م)؛ ثم استرجع بيت المقدس منهم الناصر داود في ٦ جمادى الأولى سنة ٦٣٧ هـ - ١٢٤١ م، والحملة السابعة التي قادها لويس التاسع على مصر سنة ٦٤٦ هـ - ١٢٤٨م وانتهت بهزيمته وأسره، على يد القائد المملوكي بيبرس البندقداري (٤٢) . وفي أول عهد المماليك أيضًا (١٩ محرم ٦٥٦ هـ - ١٢ /٢/ ١٢٥٨م)، دخل المغول (٤٣) بقيادة هولاكو بغداد واقتحموا أسوارها، وأحاطوا بقصر الخليفة المستنصر العباسي يرشقونه بالنبال، فلم يشعر الخليفة بسيطرتهم على مقر الخلافة إلا بعد أن أصيبت بسهم من النافذة، جاريته " عرفة " التي كانت ترقص أمامه وتضاحكه، كما ذكرذلك ابن كثير في البداية والنهاية (٤٤) . وبدلًا من أن يناصر حكام المسلمين بعضهم في هذه المحنة، أرسل سلطان دمشق الناصر بالهدايا إلى هولاكو ببغداد، والتمس منه المساعدة على استخلاص مصر من المماليك، فكان جواب هولاكو أن غزا ديار بكر وآمد، وحران والبيرة وحلب وفتحها قهرًا، ثم حاصر دمشق فهرب الناصر، وسلمها أعيان الفقهاء إلى المغول، نظير وعود كاذبة لم يوف بها (٤٥) . هذا هو الوضع العسكري الذي وجد المماليك أنفسهم فيه؛ ولكنهم كانوا أهلًا لمقارعته ومغالبته. فما أن استتب الأمر للمملوك قطز (٤٦) حتى أخذ في جمع الأموال والأقوات وتجييش الجيوش والتحريض على الجهاد؛ ثم توجه لقتال المغول ببطولة نادرة، فهزمهم بعين جالوت يوم الجمعة ٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ - ١٢٦٠م، ثم ضم عقب ذلك الشام من الفرات إلى سلطنة مصر. وواصل خلفه بيبرس بنفس الشجاعة والإقدام مقاومته المغول، وجحافل الصليبيين، وحلفائهم الأرمن والحشاشين الباطنية، فافتتح ما يقرب من ستين بلدًا وحصنًا. وكانت معاركه ضد الصليبيين ٢١ معركة، وضد التتار ٩ معارك، وضد الأرمن ٥ معارك، وضد الحشاشين ثلاث معارك، انتصر فيها كلها. وفي عهد خلفه قلاوون استرد حصن المرقب، وأسقطت إمارة طرابلس الصليبية. وفي عهد ابنه الأشرف فتحت عكا سنة٦٩٠ هـ، واستردت صور وحيفا وعتليت وانطرسوس وصيدا؛ وانتهى بذلك الوجود الصليبي في الشام. وفي بداية القرن الثامن الهجري (٢ رمضان ٧٠٢ هـ)، حقق الجيش المملوكي نصرًا آخر مؤزرًا على المغول في مرج الصفر عند قرية شقحب قرب دمشق، فتوقف بذلك المد المغولي عند العراق وفارس. وبعد إجلاء الصليبيين عن الشام، اتخذوا من جزر قبرص وأرواد ورودس، قواعد لتوجيه العدوان على الشواطئ الإسلامية، بقيادة بطرس الأول ملك قبرص، وفرسان رودس والبندقية، في سنتي ٧٦٧ هـ، ٧٦٨ هـ؛ فتصدى لهم المماليك وردوهم. ثم عقدت بين الطرفين معاهدة صلح سنة ٧٧٢ هـ - ١٣٧٠م. وكانت أهم نتائج جهاد المماليك دحر الأعداء المتكالبين على الأمة من شرقها وغربها، وتوحيد الشام بمصر؛ وهذا بحق أعظم إنجاز تحقق في تلك العصور (٤٧) .