وبعد، فهذه صورة تقريبية للوطن الإسلامي في القرن الثامن الهجري - الرابع عشر الميلادي -، بمقارنة وجيزة مع ما كان عليه الأمر لدى قوتي الجذب الرئيسيتين في الشرق والغرب - المغول ونصارى أوربا -. وهي إن كانت قاتمة، فإنما لعدم تطور الفكر السياسي لدى المسلمين، وبقاء أبحاثه لدى الفقهاء تبريرية لواقع الأنظمة منذ سقوط الخلافة الراشدة. طيلة هذه العهود ظل النظام وراثيًا أساسه أن يقوم داعية طموح فتلتف حوله أسرته ثم قبيلته، ثم يتحالف مع قبائل أخرى لها به رابطة نسب أو صهر أو مصلحة، ثم يسيطر على الحكم. وبعد حين تتنكر قبيلة الأمير الجديد للقبائل الحليفة وتنكبها وتستبد بالسلطة دونها؛ ثم تستبد أسرة الأمير من بعد ذلك بالأمر دون قبيلتها وتنكبها، ثم يتناحر أفراد الأسرة الحاكمة فيما بينهم من أجل الاستئثار بالسلطة، فيغدر الأخ بأخيه ويقتل الأب ابنه، والابن أباه، وتسمم الزوجة زوجها، ويتقاتلون فيما بينهم، فيتغلب عليهم زعيم قبيلة أخرى سالكًا النهج نفسه. ويستمر الدور والتسلسل في التداول على الحكم على هذا المنوال. كما ظهر نموذج آخر من نظم الحكم، هو طراز المماليك الذين كانوا يستولون عليه بطريقة أقرب إلى الانقلابات العسكرية. والغريب في الأمر أن أنظمة الحكم لدى المسلمين وصولًا إلى السلطة واستدامة فيها، لم تتغير إلى الآن. فمازال نظام الحكم مابين وراثي وانقلابي؛ حتى المؤثرات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تعتبر بوصلة التوجه السياسي لم تتغير؛ بل حتى سلم توزيع المسؤوليات في الدولة الواحدة كان ومازال من ثلاث فئات: البطانة المقربة: وتتألف من الأوفياء للسلطان الذين لا يمثلون أي خطر؛ وينتقون من بين الأقليات العرقية والدينية، أو من ضعاف الشخصية والتفكير الذين مردوا على الخنوع لمن غلب. طائفة الكتبة والمتأدبة والإداريين: من ذوي الثقافات المتخنثة البعيدة عن مفاهيم الأنفة والعزة والشهامة، مع شرذمة من الفقهاء " المبرراتية " أمثالهم. الجهاز التنفيذي: أمنًا وجيشًا، وغالبًا ما يكون من جفاة الأعراب أو مخنثي المدن.
خاتمة
آيبيديا
السياسة الشرعية والقضاء » تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
٣٠/٥/٢٠٢٦
2 دقيقة قراءة
مسجل
14px