كان لزامًا أن نقدم بهذا الموجز المختصر لمسيرة الأمة في الميدان السياسي، منذ تخلت مكرهة عن نظام الشورى، بما فيها من ضمانات الوحدة والتكافؤ والمساواة، وحرية الرأي والاختيار والتعلم والعمل والكسب. وقد اكتفينا بالخطوط العريضة، لأن من التطويل الممل الاستطراد بالجزئيات والتفاصيل؛ كاستعانة الحكام بمرتزقة الأجناس والأديان، وحرصهم على احتكار الأموال والأقوات، وانكبابهم على المتع الحسية المحرمة، وعدم تورعهم عن قتل آبائهم وأبنائهم وأرحامهم وخيانة عهودهم في سبيل الملك، وغير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره، وإن كان من عوامل الانحطاط والتفسخ أيضًا. أما إيجابيات العصور الإسلامية في مجالات العلوم والفنون والآداب والحكمة والفقه والأصولين، والحديث والتفسير والتاريخ وغيرها، فإنها لم تكن أبدًا ثمرة للنظم الحاكمة، وإن تبنتها في بعض العصور لأغراض سياسية؛ بل كانت بفضل جهود المستضعفين من جمهور الأمة، الراغبين عن الأبواب، المبتعدين بدينهم ودنياهم عن مواطن الفتن. ولئن كان قلة من الفقهاء قد ركنوا إلى السلطة وأهلها فلكل منهم تأويله الخاص.
[ ٦ ]
وإذا ما اتجهنا إلى عصر المؤلف - الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي - لدراسة بيئته التاريخية، ألفيناه ينقسم سياسيًا إلى ثلاث مناطق تختلف عن بعضها شكلًا، وتتشابه في التمزق والتآكل والانحطاط مضمونًا. فهناك صدر الوطن الإسلامي أو قلبه - مصر والشام، وكان بيد المماليك الترك والشركس، البحرية ثم البرجية. وهناك الغرب الإسلامي، الأندلس التي كانت تحتضر، وأقطار المغارب - طرابلس وتونس والجزائر والمغرب - التي تموج بحروب زناتة وبني هلال (٢٩) وسليم (٣٠) ومعقل (٣١) ورياح (٣٢) وحفص وغيرهم. ثم هناك شرقًا، الأرض المحروقة بعد الغزو المغولي، ما وراء النهرين،حيث إيران والهند والسند، وأفغانستان وما إليها؟ .