كان الرشد أول عهد المسلمين بأمر الحكم؛ فالقرآن الكريم جعل أمرهم شورى بينهم، لا فرق بين عربي وأعجمي أو أبيض وأسود وأحمر، إلا بالتقوى. والرسول (ص) عندما حضرته الوفاة لم يستخلف أحدًا؛ وكل ما قيل أو روي في موضوع الاستخلاف لا يثبت عند السبر والنقد. والثابت أن المسلمين تركوا أحرارًا في اختيار القيادة الجديدة. إلا أن ولاءهم كان موزعًا بين عدة مراكز للاستقطاب العائلي والقبلي، كما هو شأن المجتمعات القبلية ذات العصبية. فكان أولاهم بالأمر، بمقياس العلم والفقه والعصبية الدينية والعائلية والقبلية، علي بن أبي طالب (٢) - ﵁ - لدى بني هاشم وقريش والمسلمين؛ وبمقياس عصبية القبيلة والنصرة سعد بن عبادة (٣) لدى الخزرج، وأسيد بن حضير (٤) لدى الأوس؛ وبمقياس عصبية الأسرة والقبيلة والرئاسة في الجاهلية، دهاة بني أمية، أبو سفيان (٥) ومعاوية (٦) ومروان بن الحكم (٧) وحليفهم عمرو بن العاص (٨) . وكان حريًا بكل قبيلة أن تتخذ من زعيمها - إن بويع بالخلافة -، جسرًا لاحتكار السلطة وتداولها بعد وفاته. وكانت قبائل من العرب - ضمنها أهل مكة أنفسهم - يتململون نحو الردة. فلو اجتمعت فتن الردة، والصراع على السلطة، والتشوف لاحتكارها، على المسلمين، لكانت الطامة الكبرى على الإسلام نفسه. وهذا مفتاح فهم تصرفات قادة الصحابة المبرزين بعد وفاة الرسول (ص)، علي وأبي بكر (٩) وعمر (١٠) - ﵃ -. في هذه الفترة الحرجة قيض الله للأمة هؤلاء الأقطاب الثلاثة، أمدهم بالرشد والوعي، وبعد النظر، وإيثار بقاء الإسلام على تحقيق أي مكاسب دنيوية.
[ ٣ ]
أما الأول، علي بن أبي طالب، المعروف ببعد نظره، وعلمه وفقهه وفضله وأحقيته، فقد اتضح له ما يراد بالإسلام، وما ينتج عن دخوله في التنافس على السلطة فاحتفظ بكامل رشده، لم يستفزه الحزن لوفاة الرسول (ص)، ولم يستثره الطموح إلى الزعامة، ولم يستغفله دعاة الشر والكيد للأمة، وآثر بقاء الإسلام على بقاء نفوذ آل البيت الأكرمين، والتمكين للإسلام على التمكين للعترة الطاهرة الشريفة، واشتغل بالإشراف على غسل الرسول (ص)، وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وتنظيم مراسم التعزية والمواساة؛ فلم يحضر سقيفة، ولم يجار أحدًا في حديث عن الخلافة، وفسح المجال بذلك لقيام مؤسسة الخلافة الراشدة، التي هي أمر للمسلمين كافة، والتي هي المحجة السياسية البيضاء في الكتاب والسنة. حرضه عمه العباس (١١) على أن يسأل الرسول (ص) عند احتضاره، عن الأمر فيمن تركه؟ فأبى علي وقال: " والله لا أسألها رسول الله أبدًا " وعرض عليه العباس ثانية بعد وفاة الرسول (ص) وقبل السقيفة، أن يبايعه على ملأٍ من الناس، فيقولون: " عم رسول الله بايع ابن عمه "، فلا يختلف عليه أحد، فرفض ذلك أيضًا. وعندما بويع أبو بكر أتى أبو سفيان عليًا - كرم الله وجهه - وقال له: " إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف (١٢)، فيم أبو بكر من أموركم؟، أين المستضعفان؟ أين الأذلان، علي والعباس؟ ما بال الأمر في أقل حي (١٣) من قريش؟ ". ثم قال لعلي: "ابسط يدك أبايعك، فوالله لو شئت لأملأنها عليه خيلًا ورجلًا "، فأبى علي - ﵁ -، فتمثل أبو سفيان بشعر المتلمس (١٤): ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يبكي له أحد فزجره علي وقال: " والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرًا، ولا حاجة لنا في نصيحتك ". وعندما مارس أبو بكر مهامه في تسيير أمر المسلمين، وخرج شاهرًا سيفه للمشاركة عمليًا في حرب الردة، كان علي - كرم الله وجهه - أشد الصحابة حرصًا على أمنه وسلامته، لما في ذلك من أمن للإسلام وبقاء له. اعترض سبيل أبي بكر وثناه عن عزمه قائلًا: " شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام "، فرجع أبو بكر وأمضى الجيش. وعندما بايع الناس عثمان (١٥) قال له عبد الله بن عباس (١٦): " قد خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان "، فقال علي: " إنهم لم يخدعوني، بل إني رأيت الجميع راضون به، فلم أحب مخالفة المسلمين حتى لا تكون فتنة بين الأمة ". وبعد مقتل عثمان - ﵁ -، اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فأتوا عليًا فقالوا له: " إنه لابد للناس من إمام "، فقال: " لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به "، فألحوا عليه فبالغ في الرفض وقال: " لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا "، فقالوا: " والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك "، فقال: " لا حاجة لي في البيعة، دعوني والتمسوا غيري. " ولما بالغوا في الإلحاح قال لهم: " عليكم بطلحة (١٧) والزبير (١٨) "، ثم ذهب معهم إلى طلحة وطلب منه أن يبسط يده ليبايعه الناس فرفض وعرض الأمر على الزبير فرفض، وأصر الجميع على مبايعة علي. بهذه الروح العالية، والنظرة البعيدة، والتقوى العميقة، نظر الإمام علي إلى أمر الحكم، فجنب المسلمين كوارث وفتنًا، ما لبثوا أن وقعوا فيها بإرادة من جاء بعد صفوة الصحابة ممن ملأ حب السلطة قلوبهم. وليس بغريب هذا الرشد وعلو الهمة من الإمام علي، فهو نتاج تربية النبوة، وهو الذي لم يسجد لصنم قط، وهو الصبي الذي نشأ في عبادة الله، فلم يختلط في قلبه وذهنه أبدًا جاهلية بإسلام. أما القطب الثاني، أبو بكر - ﵁ -، فإنه بادر بالالتحاق بأهل سقيفة بني ساعدة درءًا للفتنة، ولكنه لم يدع وصية من الرسول (ص)، ولم يحتج بآية أو حديث على أحقية قريش بالأمر من دون الأمة؛ وإنما برر ذلك بالمصلحة، وضرورات العقل وتجنب النزاع؛ ثم عندما روى حديث: " لا نورث، ما تركناه صدقة " كرس مفهوم انتفاء وراثة النبي (ص) مالًا ونبوة وسلطة (١٩) . ثم عندما بويع، أكد عدم تميزه عن المسلمين بقوله: " وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؟ (٢٠) "، فكان - ﵁ - بحلمه ودماثة خلقه وحكمته وعلمه بطبائع الخلق وأنساب العرب وعصبياتهم، وما اقتبسه من نور النبوة، بلسمًا للمسلمين، جنبهم الفتن في أشد فترات نشأة دولتهم حرجًا، وحال دون هيمنة الأسر القوية على شؤون الحكم، وسد ذرائع تُحَوِّلُ أمره إلى نظام وراثي استبدادي. وعند وفاته لم يحاول الاستخلاف إلا خوف الفتنة، ومجاراة لرأي المسلمين الذين ألحوا عليه فيه. ومع ذلك عندما أمر عثمان بكتابة وصيته، قال له: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين " ثم أغمي عليه لشدة مرضه، وربما لكراهيته الاستخلاف، فأضاف عثمان إلى الكتاب وأبو بكر في غيبوبة: (فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آل خيرًا) ثم أفاق أبو بكر فأقر ما كتب عثمان (٢١) . وبالرغم من أن بعض الصحابة يوم اشتد المرض برسول الله (ص) وقال لهم: " ائتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعدي أبدًا "، تنازعوا وارتفعت أصواتهم وقال عمر: " إن رسول الله (ص) قد اشتد به الوجع، وعندكم القرآن " فأمرهم الرسول (ص) بالخروج فلما ندموا ورجعوا إليه، وقد هموا بامتثال أمره، قال لهم: " دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه " (٢٢) .
[ ٤ ]
وبالرغم من أن الوصية لا تجوز في ما لا يملكه المرء، وأمر المسلمين ليس ملكًا لأبي بكر، كما أن وصية المرء في ماله لا تجوز إلا في الثلث، ولغير الورثة، وعند انتفاء الضرار، وبالرغم من أن الوصية بالاستخلاف أمر استحدثه أبو بكر اجتهادًا منه للمسلمين لرأي رآه غالبيتهم ونصحوا به، وألحوا عليه فيه، جمعًا للكلمة واتقاءً للفتنة، فإن المسلمين عندما تلقوا عهد أبي بكر لعمر، لم يتنازعوا كما تنازعوا عند رسول الله (ص)، وبايعوا عمر، وتجنبوا بذلك فتنة ما كانت لتذر أخضر ولا يابسًا. وعندما ولي عمر أمر المسلمين، سار على النهج نفسه، مكرسًا مساواة المسلمين في الحقوق والواجبات فلم يستأثر برأي، ولم يستكبر عن مشورة، وأبقى على مؤسسة الخلافة ملكًا للجميع سواسية. وهو وإن اعتمد في الفقه والقضاء والسياسة على آل البيت، فكان يستفتي عبد الله بن عباس على صغره، ويقول له: " غص يا غواص "، ويستشير عليًا في الأمر كله، ويقول عنه عندما نهاه عن رجم من ولدت لستة أشهر، وعن رجم المرأة الحامل: " لولا علي لهلك عمر "، فإنه سار في أمر توزيع المسؤوليات التنفيذية على نهج يبعد عنها بني هاشم، بإسناده أهم الولايات إلى غيرهم حذر أن تتحول المناصب جسرًا للاستئثار بالسلطة وتوارثها، لا سيما وهم أقرب الناس إلى استحقاقها. ثم لما حضرته الوفاة نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله (٢٣)، فأبى بشدة، وقال: "حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر شئ ". ثم التفت إلى ولده عبد الله فقال له: " يا عبد الله، إياك ثم إياك، لا تتلبس بها ". ثم كان آخر وصيته ألا يتحول أمر المسلمين إلى وراثة؛ فقال لعلي - ﵁ -: " لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله (ص)، وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس " وقال لعثمان: " يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله (ص) وسنك وشرفك وسابقتك، فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس ". وما كان عمر ينوي أن يوصي لأحد، لولا إلحاح المسلمين وإصرارهم، فهو عندما طالبوه بالاستخلاف أول الأمر، قال لهم: " والله لا أحملكم حيًا وميتًا " (٢٤) . أما في أواخر عهد عثمان - ﵁ -، فقد حاد نظام الحكم عن النهج الرشيد، واستبدت قبيلة الخليفة من وراء ظهره بالأمر؛ فبدأ السوس ينخر مؤسسة الخلافة من داخلها، وتغلب الانتماء العائلي على الانتماء للجماعة، فكانت الفتنة التي ذر قرنها باغتيال عثمان مظلومًا، ثم باغتيال علي شهيدًا. بعد أن رفض بإصرار أن يستخلف، اقتداءً منه برسول الله (ص)، الذي لم يستخلف كما أخرج ذلك أحمد في مسنده بتحقيق أحمد شاكر (٢/٢٤٢ رقم ١٠٧٨) بإسناد صحيح، عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع،قال: " سمعت عليًا يقول: " لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ " قالوا: " يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته "، قال: " إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي "، قالوا: " فاستخلف علينا "، قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (ص) " قالوا: " فما تقول لربك إذا أتيته؟ "، وقال وكيع مرة: " إِذا لقيته "، قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم ". ثم تحول أمر المسلمين بعد ذلك ملوكية وراثية استبدادية؛ على يد بني أمية سفيانيين ومروانيين، ومن رضي من دينه بأكلة دسمة أو دينار ذهب، أو درهم فضة. ثم وضع السيف في أمة محمد ﵊، وكل من أنكر بيده أو لسانه أو قلبه. وبذلك تحقق ما أخبر به (ص) بقوله: " لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وأولهن نقضًا الحكم " (٢٥)؟ وقوله: " وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة " (٢٦) . ولعل ما أصاب المسلمين إلى اليوم من محن بسبب فتنة الحكم، عقاب إلهي، لما تنازعوا أمام النبي (ص) عند احتضاره، ولا ينبغي عند نبي تنازع، ولعله لحِكَمٍ أخرى يعلمها الله وحده. وتربع معاوية على أريكة الملك الذي أسموه خلافة، وتخلص من مناوئيه بالسيف تارة، وبالرشوة أخرى؛ وشفى غيظ قومه باضطهاد آل البيت، وتسميم أعيانهم، ولعنهم على المنابر. ثم جمع الأتباع على بيعة ولده الفاسق " يزيد " (٢٧)، وأكره كرام الصحابة على ذلك تحت بارقة السيف؛ بل حتى عبد الله بن عمر - ﵁ - الذي بايعه وبايع يزيد، قتله الحجاج بن يوسف غيلة بأخس ما تتفتق عنه ذهنية شيطان (٢٨) . وخلف معاويةَ ولدُه يزيد، فشرب الخمر وجاهر بالفاحشة، وواصل قتل آل البيت واضطهاد الصحابة، واستباحة الحرمين الشريفين - مكة والمدينة -؛ فكان بذلك عهد بني أمية بابًا للفتنة الصماء التي هاجت وماجت بالأمة، ومازالت تعيث فيها إلى عصرنا الحاضر، وفيما يستقبل إن لم يتداركنا الله بالرشد، ويهدنا للعودة إلى نبع القرآن الكريم.