انتقادًا لابن تيمية ومدرسته. انتقادًا للشافعي الذي يستثني في إيمانه. سدًا لذريعة اختراق المجتمع الإسلامي من قبل غير المسلمين، الذين يدعون الدخول في الإسلام لأغراض عدائية، كما هو شأن الأقليات المغلوبة. وكل هذه القضايا مرجعها وتعلقها بعلم أصول الدين، الذي انقسم فيه المتكلمون فرقًا وطوائف، لاسيما بعد جيل الصحابة والتابعين ﵃، وتوسع حركة الترجمة والاطلاع على فلسفات الفرس واليونان، واحتداد الصراع على السلطة، واتخاذ الخلافات العقدية، إيديولوجيا سياسيةً تساعد على الوصول إلى الحكم وتمهد له. ذلك أن عقيدة الأمة التي تركها الرسول (ص) بيضاء نقية ليلها كنهارها، كانت على نهج ربي عليه السلف الصالح صحابة وتابعين، تربية نبوية رشيدة واضحة المعالم. فالإيمان عندهم ثلاثة أركان: عقد بالقلب، أي التصديق، وبه يتساوى الطائعون والعصاة. الإقرار باللسان، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. العمل بالأركان، وبه يتفاوت المؤمنون. وبه يزيد الإيمان وينقص، فيزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. أما التوحيد الحق فهو إفراد الله ﷿ وحده بالعبادة لا شريك له، وله ثلاثة أركان: ١ توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن لا رب لجميع الخلق إلا الله تعالى، وأنه سبحانه الخالق الرازق المالك المدبر المحيي المميت، وحده لا شريك له.. ٢ توحيد الألوهية، وهو إفراد الله ﷿ بجميع أنواع العبادة التي أمر بها، دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا ورهبة ورغبة وخشوعا وخشية، وإنابة واستعانة واستغاثة ونسكا ونذرا، قال تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا) الجن ١٨. ٣ توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شئ، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﷺ، وطريق معرفة ذلك الوحي قرآنا وسنة صحيحة. ونهجهم في توحيد الصفات أن يسردوا العقائد للأمة سردًا، مع ذكر أدلتها من الكتاب والسنة. دون أن يغوصوا في تأويلها أو تشبيهها، أو ينزلقوا إلى مختلف التصورات الضالة التي سقطت فيها مختلف الفرق. فعقيدتهم بذلك حق بين باطل المشبهة والمجسمة والحشوية، وبين باطل المعطلة الذين يعتبرون تصرفات الله تعالى غير حقيقية بغلو من التأويل الضال. على هذا النهج كان الأئمة الأربعة - ﵃ -، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ولئن حاول بعض المتأخرين نسبة أبي حنيفة إلى المرجئة لقوله بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان، ظنًا منهم أنه يؤخر العمل على الإيمان، فإن ذلك منهم شطحات هوى وتعصب ظالم. لأن الرجل - أبا حنيفة - قاد عصره إلى العمل بالكتاب والسنة، وسجن من أجل ذلك، فكيف يفتي بترك العمل الذي يقول به المرجئة. هذا هو نهج الإسلام في موضوع العقيدة. إلا أن مرض التصنيف الطائفي، والتفريق وانتحال الألقاب، جعل البعض يطلقون عليهم " أهل السنة " و" أهل السنة والجماعة "، و" السلفيين "، ويقبلون هم أيضا بهذه الألقاب ويطلقونها على أنفسهم. في حين أن الاسم الحقيقي في القرآن والسنة هو: " المسلمون ". قال تعالى:) إِنَّ اللهَ اِصْطَفَى لَكُمُ الدِّيْنَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (البقرة ١٣٢ وقال (ص): " ادعوا المسلمين بأسمائهم، بما أسماهم الله ﷿: المسلمين، المؤمنين، عباد الله ﷿ ". ثم بعد الغزو الفلسفي اليوناني والفارسي والهندي لأمة الإسلام، كثر الجدل والتمنطق والسفسطة في موضوع الأسماء والصفات وغيره من قضايا التوحيد. فاضطر بعض الفقهاء إلى مجاراة التيار وتوظيفه ضد نفسه، حفاظًا على العقيدة. بتأويل الصفات الموهمة بالتشبيه بضرب من المجاز المعنوي القريب. ولكن هذه الخطوة فتحت هوة عميقة يصعب ردمها، هي هوة التأويل المغالي المتأثر بالفلسفة والتفكير الاعتزالي المغرق في التعطيل. فكان رد الفعل العفوي، ظهور نزعة رفضت التأويل مطلقًا. ولم تلتزم بنهج الصحابة، فغالت في إثبات الصفات إلى حد إجرائها على ظاهرها، متأثرين بالتفكير اليهودي الذي يقول بالتشبيه الصرف. وأصحاب هذه النزعة هم طائفة المشبهة والمجسمة والحشوية. وقد حاول المماليك نسبة ابن تيمية إليهم لأسباب سياسية لا يتسع المقام لذكرها. هكذا انقسم تيار العقيدة إلى اتجاهين: اتجاه الصفاتية، وأولهم جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين على النهج النبوي الرشيد. ثم من جاء بعدهم من الذين يثبتون الصفات ويشرحونها بضرب من المجاز القريب، ثم غلاة التجسيم والتشبيه، ثم الأشعرية الذين نهجوا نهج السنة، ولكنهم استعانوا في إثبات العقائد بعلم الكلام، والجبرية الذين لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة، أو يثبتون له قدرة غير مؤثرة.
[ ٢١ ]
اتجاه المعطلة بجميع مللهم ونحلهم المتأثرة بالفكر الاعتزالي المغرق في الاعتداد بالعقل وجعله فوق النص. كان أهم حدث في هذه المسيرة العقدية هو ظهور علم الكلام المبني على المنطق الصوري، والذي استحدثه علماء المسلمين لإثبات العقائد الدينية على الغير بواسطة إيراد الحجج ودفع الشبهات، وقمع فتن الفلسفات الوافدة. وقد ساهم هذا العلم في حينه، مساهمة حقيقية في المحافظة على نقاء العقيدة وصفائها، ورد كيد الكائدين في نحورهم. إلا أن نجم هذا العلم قد أفل في العصر الحديث، بظهور مناهج في التفكير أقوى وأكثر اتزانًا ومصداقية من منهج المنطق الصوري الذي بني عليه علم الكلام، وبالانفجار المعاصر الهائل في ميدان الاختراعات والاكتشافات والعلوم المادية، بانفتاح آفاق الآيات الكونية على مصراعيها، والثورة المعلوماتية والاتصالاتية، وظهور مناهج للبحث والاستقراء والتجريب والمحاجة مبنية على مبادئ العلم، رياضيات وفيزياء وهندسة؛ مما غير استراتيجية التعامل في ميدان العقائد، وجعل الكرة الأرضية قرية واحدة يحاول كل فرد فيها معرفة جاره عقيدة وسلوكًا وأعرافًا. وهذا يلقي على عاتق علماء المسلمين مسؤولية استحداث علم جديد للإقناع والاقتناع، مبني على أحدث طرق الاستدلال وأكثرها دقة. والاستفادة من الآيات الكونية التي فتح الله آفاقها للناس، وبين الحكمة من ذلك بقوله:) سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٍ (فصلت ٥٣. ذلك أنه بالتجربة المشاهدة حاليًا، كلما اتسع أفق العلم والاكتشاف ازدادت قوة الحجة في القرآن الكريم، وانفسحت بالتقدم العلمي أسراره المعجزة، واتضح مدى ارتباطه بخالق الكون، وانكشف في الوقت نفسه، زيف ما سواه من الأديان، وانبناؤها على الخرافة والشعوذة والأوهام. بل إن العلم الحديث، الذي يسير دفته حاليا غير المسلمين، يساهم عمليا في شرح بعض آيات القرآن الكونية، وتفسير بعض ما عجز المؤمنون به عن فهمه منها، وحسبنا من ذلك مثلا قوله تعالى عن توجيهات إبليس لعنه الله للبشر) وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًَّا مِنْ دُوْنِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًَا مُبِيْنًا (النساء ١١٩. فقد فسرتها حاليًا مكتشفات العلماء غير المسلمين في ميدان علم الأجنة والوراثة والاستنساخ. ثم لما عارضهم المجتمع الإنساني لأسباب أخلاقية، أجابوا بأنهم يأملون أن ينفعوا البشرية بهذا الاكتشاف ويسخروه لعلاج الأمراض المستعصية. وجوابهم هذا أخبر به القرآن الكريم تعقيبًا منه على الآية السابقة. قال الله تعالى:) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيْهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا (النساء ١٢٠. وما دام الإنسان قد فتح الله له باب الاستخدام الجيني والوراثي وكشف له بعض أسراره، فلم يعد مستبعدًا ماديًا وعلميًا على الأقل، ظهور الدابة المذكورة في القرآن، التي تكلم الناس. ذلك أنه بأدنى خلل أو خطأٍ أو تلاعب بالمورثات، قد تخرج من مختبرات الأجنة والاستنساخ. يقول تعالى) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (النمل ٨٢. إن مسؤولية استحداث علم جديد للدعوة والمحاجة والإقناع واجب، على القادرين القيام به. لا سيما في هذا العصر الذي يتعرض فيه أبناء المسلمين لمختلف الفتن والضلالات، وتتعرض فيه الأمة للانهيار في كافة الميادين. والواقع حجة واضحة وضوح الشمس، فأمامنا شواهد الأمم ذات الديانات الباطلة التي تقدمت ماديًا بتخليها عن خرافات أديانها، والأمة الإسلامية قد تأخرت ماديًا وروحيًا بتخليها عن دينها الحق، الذي ينظم شؤون المادة والعقيدة تنظيمًا ربانيًا لا شبهة فيه.