نلاحظ أنها كتبت سنة ٧٥٣هـ - ١٣٥١م، وهي الفترة التي انحسر فيها النفوذ العربي عن كافة مراكز السلطة وصنع القرار في الوطن الإسلامي. في شرق آسيا وبلاد فارس وما وراء النهرين كان التتار والفرس هم ولاة الأمر، وفي مصر والشام كان المماليك الترك والشركس، وفي المغارب الأدنى والأوسط والأقصى، كان مصامدة جبل درن الحفصيون في تونس، والزناتيون بنو عبد الواد في تلمسان، وأبناء عمومتهم بنو مرين في فاس. وكان لهذا الوضع أثر بالغ في تكوين عواطف العامة، وولاء الفقهاء أقطاب التوجيه العقدي، في ميداني النصرة العصبية والاجتهادات الشرعية السياسية. كما كان لأخطاء الحكام العرب الذين مارسوا سلطة اتخاد القرار منذ سقوط الخلافة الراشدة - باستثناء فترات قصيرة في أول مملكتي بني أمية وبني العباس -، تأثير سلبي قوي أضعف الانتماء العربي وفتت تماسكه، وأضعف الآمال في جدواه، وساهم في إثارة شعوبية فقهية مسلحة بأقوام وأجناس متماسكة مقاتلة. كما أن الجنس العربي في هذا العصر - والقرشيون في المقدمة - كان أبعد الناس عن الوصول إِلى السلطة، فلا العصبية باقية فيهم لتوفير القوة والنصرة. ولا الصراحة في النسب واضحة لاختلاط الأجناس والأقوام، وإكثارهم من أبناء الإماء والجواري وأمهات الأولاد، وشيوع الانتحال والادعاء في الانتماء إلى قريش وآل البيت وأعيان الصحابة؛ ولا الرشد السلوكي متوفر في نخبتهم - باستثناء قلة غريبة بينهم -؛ إذ اتجهت غالبيتهم إلى الابتذال وأدبيات الخلاعة والمجون بعد أن حيل بينهم وبين السلطة، وعجزوا عن مجاراة الأعاجم في ميادين العلوم؛ ولا القوة الاقتصادية بأيديهم، لأن سلاطين عصرهم احتكروها وتداولوها واستغلوها لكل غاية يرجى نفعها.
[ ١٦ ]
كما أن المظالم التي أوقعوها ببعضهم أثناء توليهم السلطة، وبأرحامهم وذرية نبيهم وصحابته، تراكمت وشكلت سلاحًا شاكيًا في أيدى الأجناس الأخرى، قضى على كل ولاء لهم أو عطف عليهم أو تشوف لعودة عهودهم، لا سيما لدى الفقهاء الذين كانوا أول من أدى ضريبة سقوط الخلافة الراشدة اضطهادًا وترهيبًا وتعذيبًا. وقد حولهم ملوك بني أمية وبني العباس والفاطميين العرب أدوات رخيصة لإصدار الفتاوى السياسية، وتبرير الأحكام التعسفية، والتمويه على جرائم القصور، والتشريع لبيعة القصر والرضع والعتهاء والمجرمين. ويكفينا مثلًا لطريقة ترقية العلماء في هذه العصور، أن أبا يوسف (٦٢) عين في منصب قاضي القضاة بعد أن أفتى للخليفة بعدم استحقاق ولده الحد، وقد شاهده بنفسه يرتكب الفاحشة. كما أن من أوضح الشواهد على وضع العلماء الصادقين، أن الأئمة الأربعة لمذاهب أهل السنة كلهم نالهم الأذى من قبل الحكام؛ فالإمام أبو حنيفة جلد وسجن ومات في السجن كما ورد في إحدى الروايات لأنه رفض القضاء، وجلد الإمام مالك لأنه أفتى بأن طلاق المكره لايجوز، واعتقل الشافعي وكاد يقتل وفرضت عليه الإقامة الجبرية لأنه يوالي آل البيت، وجلد الإمام ابن حنبل لأنه رفض القول بخلق القرآن. هذه الأسباب - وغيرها كثير - كانت كافية لإقصاء الأسر العربية عن السلطة وحجب نصرة الفقهاء عنهم، لاسيما وهم جهاز التوجيه المعنوي والفكري والعقدي في الأمة. أما في عصر المؤلف فإن سلاطين الترك لم يكونوا محتاجين إلى شرعية فقهية، لاستغنائهم عنها بشرعية سيوفهم. ولذلك أعفي الفقهاء من هذه المهمة ونيطت بهم مهمة أخرى أكثر يسرًا وأحفظ لماء وجوههم، هي الإشراف التشريعي والتطبيقي لأحكام الدين على العامة باستقلالية تكاد تكون تامة، في ميادين القضاء والحكم والفتوى والحدود والتعازير والأنكحة والمواريث والأوقاف والحسبة والتدريس والوعظ والإرشاد. وبهذا صارت السلطة مقسمة بين طائفة المماليك في شؤون السلطنة سياسة ومالًا وإقطاعًا وجيشًا وحروبًا، وطائفة الفقهاء في أمر ضبط العامة وتسيير شؤونها الدينية والتعليمية. وقد نال الفقهاء نتيجة هذا الوضع من الحظوة والتكريم والمنزلة الرفيعة والتقدير الجم والاحترام التام، ما لم ينالوه من قبل أو من بعد؛ وكانوا بحق شركاء في السلطة وركائز للنظام، نصرة وولاء، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، وإن ظلت فقهيات كثير منهم تتحدث عن شروط الإمامة قرشية واجتهادًا وعدالة في الميدان التعليمي المحض، وللضغط على الحكام وتليين جانبهم وتلطيف غلوائهم. ثم بعد حين ظهرت بينهم نزعة جديدة في متأخري الحنفية خاصة، تنحو نحو تجاوز هذه الشروط وتناور فقهيًا لأهداف استراتيجية غايتها إخضاع الحكام لأَحكام الدين، واستدراجهم لقبول التحاكم إليه، فكانت تحفة الترك باكورة الإنتاج الفقهي في هذا الاتجاه، ممهدة الطريق لقيام أول خلافة إسلامية غير عربية، هي مملكة آل عثمان التركية ذات الشوكة والمنعة.