في المغير وشروطه
يعتبر في مغير المنكر أربعة شروط: أن يكون مسلمًا مكلفًا عالمًا بذلك المنكر. وصفة التغيير والقدرة على القيام به. فأما الإسلام والعلم فهما شرطان في صحة القيام فلا يتوجه مع عدمهما إذ لا يصح تغيير الكافر إذ التغيير انتصار لدين الله سبحانه وجحد الكافر يأتي انتصاره لما جحد وكابد عليه لأنه استخفاف بالإسلام فلعله لا يقصد بذلك إلا الوصول إلى احتقارهم والشين بالاستطالة عليهم فلا يسوغ تمكينه منه لقول الله سبحانه: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ وقال ﷺ لن أستعين بمشرك ومثله في الحكم الجاهل بموجب القيام لأنه يحرم في حقه كما تقدم في الباب الثاني قبل إذ لا يحل قياه فيما جهل حقيقته من المنكرات أو طريق الإنكار فيها فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فلا يستوي إنكار الولد على أبيه والعبد على سيده والرعية على أميرها ومن شاكلهم من سواهم ونحو ذلك مما يؤول أمره إلى ما هو أنكر منه فمن كان يجهل شيئًا من هذه الأمور فلا يباح قيامه فيما لم يعلم منها ويباح فيما علم لوجود الشرط فيه. وأما الشرطان الباقيان وهما التكليف والقدرة على التغيير فهما شرطًا وجوب على من حصلا فيه مع شرطي الصحة المتقدمين لأن غير المكلف لصباه أو جنونه غير مخاطب فلا يلزمه قيام إلا أن الصبي إذا عقل القربة وعرف المناكر وطريق التغيير فتبرع به كان منه صحيحًا سائغًا وأثيب عليه في القيامة ولا إثم عليه في الترك بخلاف المكلف ومثله من لا يقدر على التغيير حسبما تقدم إما لعلمه عدم الجدوى في قيامه وإما لتقيته على نفسه. فوجوب القيام عنه ساقط وإنما يجب عليه الإنكار بقلبه ولكن يستحب له على ما تقدم نقله عن الإمام الغزالي وعلل بعض الشيوخ هذا الاستحباب مع وجود التقية بتحصيل فائدة أخرى غير تغيير المنكر وهي التنبيه على حدود الله والإظهار لشعائره وحرماته فإنها كما قال مولانا الكريم من تقوى القلوب إذ التمالك في مثلها على السكوت قد يوهم الرضى أو التساهل فيوقع اعتقادًا عند ضعيف الإيمان أن ذلك من قبيل الجائز فإذا تبرع أحد بذلك مع قيام مانع التقية عظمت مثوبته عند الله وهو في سعة من الترك بخلاف انخرام شرطي الصحة المتقدمين فإن القيام مع عدمهما أو عدم أحدهما باطل. وتقدير ما في هذا اباب من المعنى قريب من معنى ما في الباب الذي قبله. لكن افترقا في ذلك فالأول في حكم التغيير
[ ٧ ]
وهذا في حكم المغير وإن كان بينهما تداخل بحسب ما اجتنباه من نقل الأئمة ﵃. واختلف في العدالة هل هي شرط في صفة المغير أو لا. فاعتبر قوم شرطيتها ورأوا أن الفاسق لا يغير وأبى من اعتبارها آخرون. وذلك الصحيح المشهور عند أهل العلم لأن ذلك من الشروط الواجبة على الشخص في رقبته كالصلاة فلا يسقطه الفسق كما لا يسقط وجوب الصلاة التعلق التكليف بأمر الشرع قال ﵇: من رأى منكرًا فلغيره وليس كونه فاسقًا أو ممن يفعل ذلك المنكر بعينه يخرجه عن خطاب التغيير لأن طريق الفرضية متغاير. قال أنس بن مال رضه: قلت يا رسول الله لا تأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نعمل به كله. قال بلى مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله. وقال الحسن البصري رضه: يريد أن لا يظفر الشيطان منكم بهذه الخصلة وهي لا تأمروا بالمعروف حتى تأتوا به كله. قال الغزالي رضه: يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة فمن ذلك يعصم عن المعاصي. ويروى عن سعيد ابن جبير رضه أنه قال: إن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر إلا من لم يكن فيه شيء لم يأمر أحد بشيء. وأعجب ذلك مالكًا من قول سعيد وإنما ينبغي لمن يغير منكرا على غيره أن يفتتح أولا بنفسه ويكون أمرها في ذلك من أهم أموره وبداية نظره. وكذلك جميع من لزم تعلقه به من أهله ورفيقه وحاشيته. فإن أوجب الناس حقًا على المكلف العاقل نفسه ثم حاشيته لتنبيهه ﷺ ذلك بقوله: إبدأ بنفسك ثم بمن تقول وكذلك أمره تعالى له ﵇ في قراءته خصوصا وتوكيدا بقوله: ﴿وانظر عشيرتك الأقربين﴾ فالعاقل من ابتدأ بالنظر لنفسه وعم أهل حبه وأنسه فلا يأمر يمعروف إلا أتاه ولايته عن منكر إلا تجنبه ووقاه وليتنح عن أن يكون طالبا في صلاح غيره باخلا بالخير على نفسه فتلك تجارة خاسرة * وقدم في محل الحق عاثرة * فحيثما نكد عن حساب قلبه واشتغل بالأخذ على غيره فقد استحق وصف المقت عند الله إذ يقول جل من قائل ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ وقال سبحانه ﴿أتأمرن الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق فيها أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدرو الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك لم تكن تأمر بالمعروف وتنهى المنكر فيقول كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه فناهيك بهذا تبابا وإبعادا حتى أظهر قباحة هذا النوع شاعر القوم حيث يقول:
[ ٨ ]
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
فالكيس من اقتص من جوده لحفظ وجوده وأفرغ من اهتمامه وقيامه في استحصال مصلحته وقوامه فكما لا يليق به الاشتغال عن نفسه والاقتصار على فائدة غيره فكذلك لا ينبغي له أيضا الاقتصار على صالحة نفسه والاعتراض عما باشر من أحوال غيره فإنهما فرضان متغايران لا ينوب أحدهما عن الآخر صدع بوجوبه الكتاب والسنة كما قدمنا نصوص أدلته في الباب الأول. فمن لم يفعل ذلك على حقيقته وأتى الأمر فيه من غير بابه وطريقته استحق الرمي بمهام الوعيد الوارد في قوله ﷺ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم فأي أمر أكبر شرا وأعظم مصابا مما تتعدى إلى الغير تبعته وتتجاوز الفاعل عقوبته كما قال ﷺ: إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه. وكما روي: أن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. فكل شخص لزمه خطاب التكليف لا يسعه في الأمرين شيء ما في التسويف وذلك استقامة في نفسه والضرب على يد غيره بالتغيير فأيهما امتثل أمر الله فيه سقط إثمه وأثيب على فعله وإن تركهما كليهما فقد تعاظم عليه الوزر وتضاعف الفساد والشر فلا ينبغي لمن ترك أحد الجانبين وعليه شيطانه على إهماله أن ينسى حق الله وخطاب أمره في الجانب الآخر فيكون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شدد البلاء بحصول الأمل.
قال مالك: في جامع المستخرجة: أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله من شديد البلاء بحصول الأمل.
قال مالك في جامع المستخرجة: كان يقال من أشد البلاء الإملاء في المعاصي.
قال ابن رشد رحه: وهذا بين يشهد له قول الله ﷿ ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ ولا شيء في الإملاء أكبر من كون الإنسان يفعل المعصية في نفسه ولا ينكرها على غيره.
واختلف أيضًا: هل من شرط مغير المنكر أن يكون مأذونًا من الإمام أو أحد من الحكام فرآه بعضهم ومنع آحاد الناس من ذلك ومنعه آخرون. وذلك الصحيح المشهور الذي عليه الكافة والجمهور لوضوح فساد الأول بمصادقة عموم أي القرآن وصحيح الآثار قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾.
وقال ﷺ: من رأى منكرًا فليغيره: إلا أنه يتأكد على الإمام الأعظم جعل الله نصره بالتأييد على إقامة الحق داعيا وبأعباء معالم الشرع في كل
[ ٩ ]
مواطنه وأحيانه قائمًا. لأنه الناظر في دثار الدين وشعاره أمد له نظر العموم والشمول. وكل من سواه لا يقوى قوته في الاستيلاء. لما يتخلل كلمته من القواطع والفلول لاسيما في نوع يؤدي إلى كثر أعوان وتحصيل لما يخشى من مكابدة وقال فظهور رادع الإمام العدل في ذلك واجب * وسعيه في ذلك بكله وبعضه لازب * ما لم تدع الضرورة لترك النصرة به * لما يخشى من قوات التغيير برعايته * كالقوم يكونون في البادية أو في محجة المسلمين يحدث بينهم ألقتك والغضب أو القتل وما أشبه ذلك من كل ما لا يحل إهماله فواجب القيام به ودفعه بما أمكن ودعت الحاجة إليه في كل حال.