في مراتب التغيير
وأما مراتب التغيير فعلى خمسة أنواع: النوع الأول: مجرد التنبيه والتذكير وذلك فيمن يعلم أنه يزيل فساد ما وقع لصدور ذلك على غرة وجهالة كما قع من العاصي الجاهل بدقائق الفساد في البيوع ومسالك الربى التي يعلم خفاؤها عنه وكذلك ما يصدر منه من عدم القيام بأركان الصلوات وشروط العبادات فهذا ومن شاكله ممن له معذرة في الغفلة والجهالة ينبهون بطريق التلطف ويعلمون بمسالك الرفق والاستمالة ليتم قبولهم لذلك بنشاط واستبشار فيلقونه بألفهم الحلي عن الكلفة المسرع بحصول الفائدة كما ذكر في "كتاب تنبيه الحكام" على مئاخذ الأحكام حكاية في المعنى. قال: أخبرني شيخنا الفقيه القاضي أبو عبد الله المشتهر بابن أبي درقة ﵀ قال: كنت مرة في غرة الشباب ومبادي الطلب تشاغلت عن إحدى صلاتي النهار إلى أن شارفت الفوات فأتيت عجلًا إلى بعض المساجد واعتمدت بعض زواياه فصليتها مبادرًا ومتجاوزًا في بعض أركانها وإذا بعض الشيوخ الفضلاء يسارقني النظر بحيث لم أشعر به فلما أتممت صلاتي وهممت بالانصراف استدعاني فأتيته
[ ١١ ]
فقال يا بني رجلًا تسلف دراهم إلى وقت فلما حل الأجل والغريم موسر قادر على الأداء تهاون بذلك واستخف ولم يزل يتراخى به حتى استحق ذم التأخير ثم أتاه بعد ذلك بها ناقصة زيوفًا فجميع جنسي الإساءة في القضاء فهل يكون لهذا حظ في القبول قال فما أتم كلامه حتى فهمت مقصده وتعريضه بما فعلت في صلاتي. فخجلت ثم قلت له: نعم فما زاد على أن قال يا بني قم بارك الله فيك فعدت لإتمام صلاتي وأثر ذلك عندي خير تأثير. فهذا النوع من الرفق والتلطف في التعليم بحسب فهم صاحب النازلة وما يليق به أوقع في النفوس وأقرب للإجابة من كثير من العنف والشدة النوع الثاني الوعظ بما يهز النفوس ويمليها لتصفيه الباطن والبعد من الإثم ومواقع الجرائم بالتخويف من عقاب الله والتحذير من أليم عذابه واستحقاق وعيده. وذلك في سائر من علم أن وقوعه في المناكر على علم منه بها كمدمن شرب الخمر والمواظب على الغيبة والنميمة وأمثال ذلك من أنواع المعاصي التي لا يجوز على مسلم مكلف أن يجهل تحريمها. فاللازم في شأن هذا أن يتعاهد المتصف به بالعظة والإخافة من ربه جل وعلا ويتلطف معه في إيصال ذلك لجأشه وليه فلعل مصرف القلوب سيجعل ذل صارفا قلبه عن مواقعه الزلل ويلهمه رشده في محو آثار كل خلل.
قال مولانا في حكم تنزيله المبين ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾.
النوع الثالث الزجر والتأنيب والإغلاظ بالقول والتقريع باللسان والشدة في التهديد وهجن الخطاب في الإنكار. وذلك فيمن لا ينفع فيه وعظ ولا ينجع في شأنه تحذير برفق ولا تكره لطف فردعه إنما يكون بالتخويف الصارف له والمرهب القامع لأمثاله كقوله: لئن لم تنته لأقعن بك كذا وما أشبه هذا من التقريع والوعيد الذي هو أهله. ولا ينبغي أن يتعدى إلى السب الفاحش والذم الذي ليس من صفة ذلك المخاطب فإن فعل ذلك في غير محله ومع من ليس من أهله فذلك منكر واقعه مغير المنكر يجب الاحتساب فيه عليه.
النوع الرابع التغيير بملاقاة اليد بإزالة ذلك المنكر وإذهاب وجوده وذلك فيمن كان حاملًا الخمر أو لابسًا ثوب حرير أو خاتم ذهب أو ماسكًا لمال مغصوب وعينه قائمة بيده وربه متظلم من بقاء ذلك بيده طالب رفع المنكر في بقائه تحت حوزه وتصرفه فأمثال هذا لابد فيه مع الرجز والإغلاظ من المباشرة للإزالة باليد أو ما يقوم مقام اليد كأمر الأعوان الممتثلين أم المغير في إزالتهم له بوازع الطاعة وأعمال المسارعة فيريقون الخمر وينزعون ثوب الحرير وخاتم الذهب ويختطفون المغصوب من يد الغاصب ويردونه لمالكه وما شاكل ذلك من أساب البيع في زوال ذلك المنكر ومحو آثاره.
قال رسول الله ﷺ: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. تنبيه إذا لم يقع التمكن من إراقة الخمر ولا بكسر أنابيبها
[ ١٢ ]
وتحريق عائها فلا ضمان على من فعل ذلك على الوجه المتقدم في هذا النوع وإن أمكن زوال عينها مع بقاء الوعاء سليما ولم يخف الفاعل مضايقة في الزمان ولا في المكان بثغلب أو أبنيات فأتلفه مع انتفاء هذه الموانع ضمن قيمته إن كان لأمثاله قيمة وإلا وهو مما ينتفع به في غير الخمر النوع الخامس إيقاع العقوبة بالنكال والضرب بالأيدي والجلد بالسوط وذلك فيمن تجاهر بالمنكر وتلبس بإظهاره وإبداء صفحة خده في استلذاذه وعدم إفادة العدل واللوم على مواقعته ولم يقدر على دفعه إلا بذلك فإن كابد وعائد ودعت الضرورة إلى مقاتلته بالسلاح ومكافحته بالتناصر والتعاون وجب على كل من حضر وباشر إذا لم يقلع عن ذلك المنكر ولا بمثل ذلك لكن قد تقدم من الأولوية في هذا النوع عند آخر الباب الثالث أو يدفع إلى الإمام أو إلى أحد من الحكام القائمين به عن إذنه لأن ذلك ادعى إلى النجح وأقرب لتسهيل المأخذ ونيل المقصد وأرفع لما يخشى من أثارة الفتنة مع من ليس معه رائحة من الأمر السلطان لما جعل الله في السلطان من الحكمة النيرة والسير الإلاهي فقد وقع في بعض الآثار: السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم. هذا إن لم يكن استيذانه يؤدي إلى فوات المطلوب من إزالة المنكر أو ما تحصل فائدة استيذانه إلا وقد وقع ذلك المنكر فيجب المبادرة إليه بما أمكن ولو مع قيام هرج أو غيره.