ومما يجب الأخذ بمقتضاه * والعمل على ما يضمنه هذا الفصل المخصوص وحواه * أن يكون المباشر لتغيير المناكر * مع ما يجب في وصفه عند الباري جل وعلا من صلاح البواطن والظواهر * بعيدًا بكليته * منافرًا بطبعه وسليقته * لإعمال شيء من العقوبة بالأموال * ولو بدانق واحد يزداد على النكال * فقد أرعد العلماء في ذلك وأبرقوا على من أباحة ببنت شفة * وجعلوا ذلك من شبه الضلال * وتأولوا ما وقع في مسائل المذهب مما ينجح
[ ١٣ ]
لذلك بوجوه من التأويلات للانفصال * واجتلاب ذلك لهذا الإملاء المقصود به إعمال الاختصار ما أمكن يوسع دائرة النطاق * ويكثر بتعديده تعداد أشخاص الأوراق * ولكن نكتفي من ذلك بأهم المنقول * وعلى مولانا سبحانه الاعتماد والتكلان في التوفيق لصلاح المقول.
قال الشيخ أبو الوليد بن رشد ﵁ في كتاب السلطان من العتبية لما تكلم على مسأل غش الزغفران واللبن: إن العقوبة بالمال أمر كان في أول الإسلام.
من ذلك ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة أن خذوها منه وشطر ماله غرومة عن غرمات ربنا. وما روي عنه ﵇ في حرميته الجبل فيها غرامة مثليها وجلدات نكالًا. وما روي عنه ﵇ إن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن أخذه سلبه.
ومن مثل هذا كثير.
قال: ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يسوغ وعادت العقوبة في الأبدان خاصة * ومن ذلك ما وقع في كتاب الجامع من العتبية أيضًا في حكاية عن مروان بن الحكم في شدته في الحدود قال: قال مالك حدثنا يحيى بن سعيد. أن امرأة خرجت إلى بعض الحرار فلما نزلت قرقرة عرض لها رجل من أصحاب الحمر فنزل إليها ثم أرادها عن نفسها فكشف ثيابها فامتنعت منه بحجر فشجته ثم صاحب فذهب فأتت مروان بن الحكم. وكانت فيه شدة في الحدود. فذكرت ذلك له فسألها عن اسمه فلم يعرفه (تعرفه) وقال: أتعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم فأدخلت بيتًا ثم قال: إيتوني بالمكارين الذين يكرون الحمر. وقال: لا يبقى أحد أكريتموه إلا جئتموني به. فأتوه بهم. فجعل يدخل عليها رجلًا رجلًا.
فتقول: ليس هو حتى دخل عليها به مشجوجًا فقالت هو هذا. فأمر به مروان فحبس في السجن فأتى أبوه فكلمه فيه فقال مروان
جانيك من يجني عليك وقد * تعدي الصحاح مبارك الجرب
فلرب مأخوذ بذنب عشيره * ونجا المقارف صاحب الذنب
قال أبوه ليس كذلك إنما قال الله ﷿: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقال مروان: لا. ها الله إذا لا يخرج منها حتى ينقدها أف درهم بما كشف عليها.
فقال أبو هي علي فأمر به مروان فأخرج فقيل لمالك: أترى هذا من القضاء الذي يؤخذ به؟ فقال: ليس من القضاء ولكنه على غلطة من مروان ولقد كان مروان يؤتى إليه بالرجل وقد قبل المرأة فينزع ثنيته.
قال الشيخ ابن رشد رضه: ما تضمنته الحكاية عن مروان بأنه قضى المرأة بدعواها على المكاري الذي ادعت عليه من كشفه إياها مع الشبهة التي ألحقت التهمة
[ ١٤ ]
به وحققته الظنة عله لا يأخذ به مالك ولا يرى القضاء به إذ لا يرى العقوبات بالأموال وإنما ذلك أمر كان في أول الإسلام ثم انعقد الإجماع بأن ذلك لا يجب على سبيل الإنكار عليه إن كان يؤتى بالرجل يقبل المرأة فينزع ثنيته. وهذه نهاية في الإنكار والعقوبات على الجرائم عند مالك على قدر اجتهاد الوالي وعظم جرم الجاني وإن تجاوز الحدود.
وقد أمر صاحب الشرطة في الذي وجد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه فلم يشكوا في المكروه بعينه أن يضربه ضربًا مبرحًا ويسجنه سجنًا طويلًا حتى تظهر توبته فسجنه أيامًا فكان أبوه يختلف إلى مالك ويتردد إليه ويقول: اتق الله فما خلقت النار باطلا فيقول له مالك: أجل إن الذ ألفي عليه ابنك لمن الباطل ثم ضربه صاحب الشرطة أربع مائة سوط فانتفخ فمات. فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به فقيل له: يا أبا عبد الله إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير. فقال: هذا بما اجترم وما رأيت أنه أمتسه من العقوبة إلا بما اجترم.
وقال مطرف بن عبد الله في المبسوط: الأدب إلى الحاكم موكول إلى نظره يؤدب في ذلك باجتهاده وإن أتى الأدب على النفس وإخراج الروح وله في "الواضحة" أن أقصى ما يبلغ في الأدب المعروف بالجرم ثلاثمائة سوط فما دون ذلك. وروى عن أصبغ: أن أقصى الأدب المعروف في جرم الفاسد البين الفساد مائتان.
وروي عنه: أن ذلك إلى اجتهاد الإمام وإن أتى على النفس. وقد روي عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس أنه قال: م بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين. وذهب إلى هذا محمد بن مسلمة. فقال: قد انتهى غضب الله في الزانية والزاني إلى مائة جلدة وقال: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ فلم يجعل عليهما أكثر من ذلك فلا يتجاوز في العقوبة ثمانون سوطًا.
وقد روى عبد الله بن مسلمة بن قعنب عن مالك: أنه لا يتجاوز فيها خمسة وسبعين وإن كان يقول: الأدب عندي دون الحدود. والمشهور عنه المعلوم من مذهبه أن ذلك إلى اجتهاد الإمام وهو مذهب ابن القاسم.
وقال أبو حنيفة: لا يبلغ بالضرب أكثر من ثلاثة أسواط في الأدب ولا يزاد على الثلاثة إلا في حد من حدود الله. وروي ذلك عن الليث بن سعد. وقال أبو يوسف: لا يبلغ في الأدب ثمانين. وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة لا يبلغ مائة ومن أهل العلم من رأى أنه يضرب في الأدب أكثر من عشرة أسواط. وروي مثله عن أشهب. قال لا يزيد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المكتب على ثلاثة فإن زاد على ثلاثة اقتص منه وما اجتلبنا الحكاية بطولها وكلام ابن رشد عليها بكماله إلا لما احتوت عليه من الفوائد في شأن ما نحن فيه من الزواجر والعقوبات الشرعية.
[ ١٥ ]
والمقصود نقل ابن رشد الإجماع على منع العقوبة بالمال كما تقدم في كتاب السلطان وأن ذلك نسخ بالإجماع. وفي سماع أشهب وابن نافع من كتاب الحدود. وسئل مالك أيحرق بيت الخمار الذي يوجد فيه الخمر؟ قال: لا. قال ابن رشد هذا صحيح على المعلوم من مذهبه أنه لا يرى العقوبات على الجرائم في الأموال إنما يراها في الأبدان. وفي كتاب الأحكام لابن العربي: لا عقوبة في المال ولكن يؤدب لجنايته بالإجماع. هذا نصه في سورة آل عمران وفي سورة الأنفال من الكتاب المذكور لا تجوز العقوبة بالمال بحال. وفي كتاب النهاية والتمام إن ما ورد من العقوبات بالأموال منسوخ كله وفي كتاب الطحاوي والعقوبة بالمال منسوخة. فهذه نصوص كلها متضافرة على نسخ ما ورد من العقوبة بالمال وأن بالإجماع انعقد على ذلك فلا يلتفت إلى قول من يريد إقامة الإباحة من مسائل وظواهر ينجح مقتضاها لذلك لاتساع مجال التأويل وفسحة القول بمنع ذلك بأدلة التوجيه والتعليل. وقول ابن قيم الجوزية الحنبلي فيما نقل عنه برهان الدين بن فرحون في "تبصرته" ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة فقد غلا على مذهب الأئمة نقلًا واستدلالًا وليس يسهل عنه دعوى نسخها والمدعون النسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم محجوج بنقل هؤلاء الأئمة الأعلام في كتبهم المبسوطة المشهورة في الإجماع الذي نفاه هو. فمن حفظ حج على من لم يحفظ. وما ذكر من فعل الصحابة أشار به لفظًا عمر. قال ابن رشد وحكم بن عمر بن الخطاب رضه ثم انعقد الإجماع بعده على أن ذلك لا يسوغ والقضية التي قضى فيها عمر رضه هي التي ذكر في كتاب لابن عبد البر والله أعلم. قال خرج قاسم عن أصبغ أن عمر بلغه أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما يفرق بينهما وقال لا ينكحهما أبدًا. وجعل صداقها في بيت المال. وفشا ذلك في الناس. فلما بلغ ذلك عليا رضه قال: رحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت المال إذا جهلا ينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل فما تقول أتت فيهما قال لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة ثلاثة أقراء ثم يخطبها إن شاء فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب فقال: يا أيها الناس ردوا الجهلات إلى السنة وروى الثوري أن عمر جعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان.
ملخص ذلك مما قصدنا التنبيه عليه أن يجعل القائم بتغيير المنكر حرمه العقوبة بالمال بين عينيه فلا يستبيحها ولا يبيحها لأحد من أعوانه بين يديه وسبيل أرزاقهم سبيل أرزاق الأعوان الذين يوجههم الحاكم في مصالح الناس تكون لهم من بيت المال كأرزاق القضاة
[ ١٦ ]
وسائر العمال والولاة فقد وقع في " جامع العتبية" في الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس يجعل في أموالهم.
قال مالك: كان زيادة بن عبد الله يبعث شرطًا في الأمر يكون بين الناس في المناهل ويجعل لهم في أموالهم جعلًا فنهيته عن ذلك وقلت له إنما هذا على السلطان يرزقهم فقيل له إن أمير المؤمنين جعل لمن ولي عليهم شركًا معهم فيما اشتروا.
قال شعرت به ولا أمرته بذلك. ثم قال إن هذه الأمور يخاف فيها ما يخاف ثم فسر فيها تفسيرًا.
قال ابن رشد رحه هذا أن الواجب أن يجعل للشرطة المتصرفين بين أيدي القضاة في أمور الأحكام رزقًا من بيت المال لأن ذلك من المنافع التي تعم الناس فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب ويخفي ويعنت بالطالب إعناتًا فيكون الجعل في إحضاره عليه وأما أن يجعل من ولي على السوق شركًا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين. وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد بما له معهم فيه من النصيب ومثل ما في الجامع بنصه في كتاب السلطان. قلت إلا أن ما قال من إعطاه المدعى عليه الملدد أيجعل الذي أعطى في إحضاره المدعي لا يحسن ولا يجعل في أعوان القيم بتغيير المنكر لأنه ليس هنالك مدع ولا مدعى عليه ولا ذو حق متشخص يطلبه بعينه وإنما هو أمر مطلوب بطريق الفرض المتعين على عامة الناس ومتأكد على الولاة والحكام فقصاراه أن تكون أجرة الأعوان فيه في بيت المال كغيرهم من أعوان سائر الحكام وإن كان الأعوان في هذا كغيرهم من سائر الناس في توجه خطاب الوجوب والفرضية نحوهم لكن لما كان اشتغالهم بذلك يضيع عليهم الزمان في شأنه عن القيام بمعايشهم وطلب أقواتهم وجب أن يكون لهم ذلك في بيت المال رزقا وإعانة كما هو المشهور عند العلماء في مرتب طلبة العلم الذي يأخذونه من الأوقاف الموضوعة لذلك أنه من باب الإعانة والرزق لا من باب الأجرة لأن طلب العلم فريضة متعينة في حقه وتحصيل منفعة خدمته وحمله مقصورة عليه لا على الواقف فباين مسلك الاستيجار. فإن قلت: أليس الذي أوجبوه على الملدد المتغيب على الحضور مع خصمه من أداء جعل العون الذي أداه الطالب هو عين العقوبة بالمال على عصيانه وعدم إجابته ولو كانت العقوبة قاصرة على إيلام البدن لوقع الاكتفاء بضربه أو سجنه أو نحو ذلك. قلت إلزامه أداء الجعل ليس من باب العقوبة بذلك وإنما هو من ناحية أنه سبب في غرم المدعي ما لم يجب عليه إجابته دعواه للحاكم وقد أوجبها الله بنص الوحي في
[ ١٧ ]
قوله: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم﴾ الآية. فكأنه باشر ظلمه بأداء ما لم يجب عليه المتسبب كالمباشر لمن أمسك وثيقة بحق حتى فات اقتضاؤه والتوصل إليه بما وقع من إمساك الماسك لها وغير ذلك من مسائل الصيد المشهورة.
والاقتصار على فهم المسألة على ما فيف السؤال هو الذي أوجب منع أبي عبد الله الفخار من القضاء بذلك في شأن الخصمين.
وقال: لا تعلم ذنبًا يوجب استباحة مال الإنسان ولا الكفر وحده. يعني كفر الردة والله أعلم. وهذا تشنيع منه على ابن العطار وغيره ن الجماهير والجم الغفير في أن ذلك لازم عن حكمهم على الملك طوق عنق وليس بلازم لما تقرر في الجواب. وأيضًا لقوله: لا تعلم ذنبًا نكرة في سياق نفي فتعم كل الذنوب. والغاضب في عدائه على الشيء من المثليات والمقومات فأتلف عينها وجب من رد المغصوبات والمتلفات إنما نشأ عن ذنب العداء فيجب أداؤه لذلك وتحرم الزيادة. ولم يقل بهذه الزيادة التي هي لمجرد العقوبة والنكال أحد فقد تعسف في إطلاق نفي إباحة المال بالذنب في محل التقييد بما هو مخصوص بالعقوبة لا بما عمرت به الذمة بطريق الضمان وذلك عين ما قالوه في الملدد الغاصب وإن كانت هذه مناقشة لفظية لا طائل تحتها مع ابن الفخار لكنها في صورة النقض عيه بدعواه العموم فيما نفى عن علمنا بقوله لا نعلم ذنبًا والحق أن هذا ليس من العقوبة بالمال فيلزم ما قاله لأن العقوبة بالمال قد وقع الإجماع على إسقاط حكمها وإلقاء طريقها كما قدمناه. ولولا الإطالة التي لسنا بسبيلها والسآمة التي نخشى وقوعها بما يثقل على الأصمخة من مديد الكلام لأوردنا كثيرًا من المسائل المذهبية التي يبدو من ظاهرها الحكم بالعقوبة المالية وباطنها على خلاف ذلك على أن الذي وقع من ذلك إنما هو فيما كان إتلافا لمحل المعصية كما في إراقة اللبن وقطع الملاحم وغير ذلك لا إغراما على عصيان أجنبي عن المال بنقد يؤديه الجاني من ذمته فينتفع به الحاكم والشرطي في شؤونه فهذه صورة لم يقل بها أحد من المسلمين فضلًا عن العلماء والمتفقهين ولذلك ترى أكثر عباراتهم بالعقوبة بالمال لا بالمال وما وقع من ذلك بالباء الموحدة فيحمل على الغالب من عباراتهم وتكون الباء ظرفية ويرجع المعنى لما سبق ويقولون أيضًا يتصدق به ولا يقولون باستنفاق الحاكم إياه كما يفعله ولاة الجور في كثير من الأقطار والأمصار لأن في إباحة ذلك مذنب أعظم الذنب وما يؤديه في غرم قيمة ما أتلف عين ماله لا مال المغصوب لأن عين مال المغصوب قد تلف وغاب وليس من استرجاعه لكن الشرع حكم بأداء العوض حياطة للأموال التي جعلها الله لنا قيما ورفعا لمادة الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بين خلقه حرامًا فها هو ذنب
[ ١٨ ]
الغصب أباح عين مال الغاصب كما تدعي أن الملدد في مسألتنا شكل غاصب لمال طلبه المدعى عليه بإيجابه لأداء ما لم يجب. وقد لاح لي على كلا الدعوتين تركيب قياس. وذلك أن تقول: كل اللداد فهو ذنب ولا شيء من الذنب بمبيح لمال الإنسان الملد. فلا شيء من الإلداد بمبيح لال الإنسان الملد كما نقول: كل غصب فهو ذنب ولا شيء من الذنب بمبيح لمال الإنسان الغاصب فلا شيء من الغصب بمبيح لمال الإنسان الغاصب. أما الصغرى فمسلمة وأما الكبرى فقد ادعى صحتها في شأن الملد ويلزمه صحتها في شأن الغاصب بجامع أن كلًا منهما ذنب وهو عين ما تضمنته الصغرى المسلمة لكنا نستفسر مراده بما تضمنته الكبرى من سلب إباحة الذنب للمال إن كان على وجه العقوبة بمال أجنبي كما ضمن الشرع ذمته بما أتلف بذنب جناية الغصب والإلداد فمسلم وإن كان لا على وجه العقوبة بمال آخر سوى المال الذي أتلفه بذنب الإلداد والغصب فغير مسلم إذ نصوص الشرع تأباه بقولهم: لك غاصب فهو ضامن لما غصب وكذلك قولهم كل ملدد بما أتلف بإلداده ضامن فلو قال الجمهور في اللد إنه يؤدي ما أتلف بإلداده وزيادة مال آخر في مقابلة العقوبة والنكال لكان هذا المزاد مما لا يستباح بالذنب إذ هو عين العقوبة بالمال كما كان في أول الإسلام في مانع الزكاة تؤخذ منه وزيادة شطر ماله فالعقوبة إنما هي بالزيادة وأما ما وجب أداؤه من الزكاة فلا. كما أن هد ركن عظيم من الشريعة بتبديل وضعها في طريق الزواجر والعقوبات وبمصادمة ما نهى ربنا عنه فيها من أكل المال بالباطل فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وفيما ذكرناه لم يتبع نفسه هواها وعض بالنواجذ على تزكيتها وتقواها غاية الكفاية ومنه سبحانه نرتجي التوفيق والعون والهداية.
فائدة: إذا لم يطلع على المنكر حتى انقضى فعله وفات محله فسبيل النظر فيه للقضاة والحكام لأن بابه الأحكام لا التغيير لفوات دفع المنكر بفوات محله لكن على الحاكم أو السلطان القيام بموجب ما ثبت عنده من ذلك فما كان فيه حد من الحدود المقدرة في الشرع كالشرب والسرقة والزنا وما أشبه ذلك من القصاص والديات أمضى الحاكم فيه حكمه على طريقه وموجبه المستوفى وما لم يكن فيه حد من الشرع متقرر كالغصوبات وإتيان الربويات والتعرض لكشف العورات وما لا يحصى عدة من المنكرات فإنما عليه إقامة العقوبات فيه على قدر اجتهاده ونظره بحسب كل نوع وكل شخص إذ المشهور عن مالك رضه أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم حسبما أسلفناه نقلًا من كلام ابن رشد رضه في الفصل الذي أوردناه متصلًا بهذه الفائدة غير أن الحاكم أيضًا في نفسه لا يهمل طريق الترتيب الذي تقدم في الأنواع الخمسة التي سطرنا قبل الفصل في الباب الخامس فرب رجل من ذي الهيئات لم
[ ١٩ ]
تقع منه إلا فلتة أو فلتات يكون مختصًا بخفة العقاب عمن لا يردعه إلا شدته كالمتجاهر بكبائر المعاصي والمنكرات وعلى ذلك وقع التنبيه بقوله ﷺ: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم