رضي الله تعالى عنه في كتاب «السيرة» (٢: ٦٥٥- ٦٦٠) لابن إسحاق: لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفي، وإن رسول الله ﷺ والله
_________________
(١) ابن جماعة: هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي بدر الدين، تولى الخطابة بالقدس والقضاء بمصر وفيها توفي سنة ٧٣٣، وله عدة مؤلفات منها مختصر للسيرة النبوية (ترجمته في الوافي ٢: ١٨ والفوات ٣: ٢٩٧ ونكت الهميان: ٢٣٥ والدرر الكامنة ٣: ٣٦٧ وفي حاشية الفوات ذكر لمصادر أخرى) .
(٢) عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي أبو القاسم وأبو زيد كان عالما باللغة والسير، وتوفي سنة ٥٨١ وهو صاحب الروض الأنف في شرح السيرة (انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣: ١٤٣ وفي الحاشية ذكر لكثير من مصادر ترجمته) .
(٣) سليمان بن موسى بن سالم أبو الربيع الحميري الكلاعي البلنسي، استشهد مقبلا غير مدبر في الكائنة على أنيشة سنة ٦٣٤، وهو من كبار محدثي الأندلس ومؤرخيها وكتابه الذي يعتمده الخزاعي اسمه «كتاب الاكتفا بما تضمنه من مغازي الرسول ومغازي الثلاثة الخلفا» وصف بأنه في أربعة مجلدات متوسطة (انظر ترجمته في التكملة رقم: ١٩٩١ والذيل والتكملة ٤: ٨٣ وبرنامج الرعيني: ٦٦ والمقتضب من تحفة القادم: ٨٣ وفي حاشية الذيل والتكملة ذكر لعدد آخر من المصادر) .
(٤) المحكم: المتابعة والطاعة.
[ ١ / ٣٧ ]
ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله ﷺ كما رجع موسى فلتقطعن «١» أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات.
وروى محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في «صحيحه» (٦: ١٧) عن أبي سلمة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسّنح «٢»، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمّم النبيّ ﷺ وهو مسجّى ببرد حبرة «٣»، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبّله ثم بكى، فقال «٤»: بأبي أنت يا نبيّ الله، لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.
قال أبو سلمة (السيرة ٢: ٦٥٥): فأخبرني «٥» ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران: ١٤٤) قال: والله لكأنّ الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناس فما يسمع بشر إلا وهو يتلوها.
قال ابن إسحاق (٢: ٦٥٦): ولما قبض رسول الله ﷺ انحاز
_________________
(١) السيرة: فليقطعنّ.
(٢) السّنح: في طرف من أطراف المدينة، كان بها منزل أبي بكر الصديق حين تزوج مليكة وقيل حبيبة بنت خارجة الأنصارية.
(٣) البخاري: وهو مغشى بثوب حبرة.
(٤) البخاري: وبكى ثم قال.
(٥) قارن أيضا بالبخاري ٦: ١٧.
[ ١ / ٣٨ ]
هذا الحيّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل. فأتى آت أبا بكر وعمر فقال: إنّ هذا الحيّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله؛ قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، فانطلقنا نؤمّهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ [قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين] «١» اقضوا أمركم، قال، قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت:
ما له؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله «٢» ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافّة من قومكم قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زوّرت مقالة في نفسي قد أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدّ. فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، أوسط «٣» العرب نسبا ودارا، قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا،
_________________
(١) ما بين معقفين زيادة من السيرة.
(٢) السيرة: بما هو له أهل.
(٣) السيرة: هم أوسط.
[ ١ / ٣٩ ]
ولم أكره شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، قال:
فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
فوائد لغوية في ثماني مسائل:
الأولى: في «الصحاح» (٦: ٢٣٧٢) سجّيت الميت تسجية: إذا مددت عليه ثوبا، وفي «المشرع الروي»: سجّى: غطّى وستر من قولهم: سجى الليل إذا غطّى النهار بظلمته.
الثانية: في «المشارق» (١: ١٧٥) البرد المحبّر: المزيّن الملون، ومنه حلّة حبرة، وبرد حبرة.
الثالثة: أسيد بن حضير: بضم الهمزة والحاء على التصغير فيهما؛ كذلك في «المشارق» (١: ٦٠) .
الرابعة: في «الصحاح» (١: ٧٣) أبو زيد: مالأته على الأمر ممالأة: ساعدته عليه وشايعته. ابن السّكّيت: تمالأوا على الأمر: اجتمعوا عليه، والملأ: الجماعة.
الخامسة: في «الصحاح» (٢: ٧٣١) يقال: هو نازل بين ظهريهم، وظهرانيهم بفتح النون، ولا تقل: ظهرانيهم بكسرها، وزاد في «المحكم»: وبين أظهرهم.
السادسة: في «الغريبين» الدافّة: القوم يسيرون جماعة بالتشديد، يقال:
يدفّون دفيقا. وفي «الأفعال» لابن طريف: دفّت دافّة من الناس يقال ذلك للجماعة تقبل من بلد إلى بلد.
السابعة: زوّرت مقالة: في «الغريبين» أي أصلحت وهيّأت، والتزوير:
[ ١ / ٤٠ ]
إصلاح الشيء، وكلّ شيء كان صلاحا لشيء فهو زواره وزياره، ومنه: زيار الدابة.
وفي «المحكم» كلام مزور وهو المثقّف قبل أن يتكلم به، ومنه قول عمر:
ما زوّرت كلاما لأقوله إلا سبقني به أبو بكر. قال نصر بن سيار: [من الطويل]
أبلغ أمير المؤمنين رسالة تزوّرتها من محكمات الرسائل
«١» الثامنة: في «الغريبين» قال الأصمعي: الجذيل تصغير جذل أو جذل: لغتان، وهو العود ينصب للجربى فتحتكّ به. والعذيق: تصغير عذق- بفتح العين- وهو النخلة. والمرجّب: قال أبو عبيدة والأصمعي: هو من الرّجبة، وهو أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها ببناء من حجارة أو بخشبة ذات شعبتين، ويكون ترجيبها أيضا أن يجعل حولها شوك فلا يرقى إليها راق. يقول: أنا ممن يستشفى برأيه كما استشفت الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود من جربها.
وفي «المشارق» (١: ٢٨٢) شبه نفسه بالعذق المرجّب لما عنده من قوم يمنعونه ويحمونه، وعشيرة تشدّه وترفده، وتصغيرهما ليس على طريق التحقير، بل للمدح كما قيل: فريخ قريش، وقيل للتعظيم.
تنبيه:
قول الأصمعي: الجذيل تصغير جذل أو جذل، يريد بكسر الجيم أو فتحها.
قال القاضي في «المشارق» (١: ١٤٣) جذل الشجرة بكسر الجيم وفتحها:
أصلها القائم.