يقول عبيد الله الفقير إليه، الغنيّ به عمن سواه، عليّ بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود، وفقه الله لما يحبه ويرضاه:
الحمد لله الذي خلق الخلق من غير افتقار إليهم وبسط الرزق جودا منه عليهم، وبعث فيهم رسلا منهم، أقاموا لهم على وجوده ووحدانيته، سبحانه، أوضح حجّة، وحملوهم في الإيمان به وامتثال أوامره ونواهيه على أفسح محجّة، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ (النساء: ١٦٥) وخصنا منهم بأعظمهم قدرا، وأرفعهم ذكرا، أولهم في الجلالة، وآخرهم في الرسالة، مسكة الختام، ولبنة التمام، سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم، الرءوف بالمؤمنين الرحيم، فأدّى، ﷺ، أمانة ما حمّل، وبلغ ما عليه أنزل، وأرشد ونصح، وبين وأوضح، وأكّد الفرائض وسنّ السنن، وسلك بأمته المباركة- التي كانت خير أمة أخرجت للناس- أقوم طريق وأهدى سنن، وشرع لهم، ﷺ، ولايات وأعمالا، وولّى عليها ممن ارتضاه من الصحابة، رضوان الله عليهم، أمراء وعمّالا، ليتعاونوا على البرّ والتقوى، ويتمسكوا من طاعة الله﷿- وطاعة رسوله﵇- وأولي الأمر منهم بالسبب الأمتن الأقوى. قال الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء: ٥٩) .
وقال رسول الله ﷺ مما خرجه مسلم (٢: ٨٥) رحمه الله تعالى: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني. صلى الله عليه أتم صلاة، وأعظمها،
[ ١ / ٢١ ]
وأفضلها وأكرمها، وعلى آله المطهرين، وأصحابه المتخيرين، وسلم عليه وعليهم إلى يوم الدين.
وبعد فإني لما رأيت كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس لديه من أدوات الطالب إلا مداده وقلمه، يحسبون من دفع إلى النظر في كثير من تلك الأعمال في هذا الأوان مبتدعا لا متبعا ومتوغلا في خطة دنيّة، ليس عاملا في عمالة سنية، استخرت الله ﷿ أن أجمع ما تأدى إليّ علمه من تلك العمالات في كتاب يضم نشرها، ويبين لجاهليها أمرها، فيعترف الجاهل، وينصف المتحامل، فألفت هذا الكتاب وسميته: تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية.
وذكرت في كل عمالة منها من ولاه رسول الله ﷺ عليها من الصحابة ليعلم ذلك من يليها الآن، فيشكر الله ﷿ على أن استعمله في عمل شرعي كان يتولاه صاحب من أصحاب النبي ﷺ، وأقامه في ذلك مقامه، ويجتهد في إقامة الحق فيه، بما يوجبه الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة، وأحرز حسنة. وإني لأرجو بما تحملته من التعب في جمع هذا التأليف، حتى أثبتّ لجميع ما تضمنه من الحرف والصنايع والعمالات التنويه والتشريف، بالنسبة الشرعية، والتنزيه عن الظنّة السيئة البدعية، اغتناما للأجر الجزيل عند الله ﷿ بفضله ورحمته في الأخرى، واجتناء الشكر الجميل وبقاء الذكر الطويل من أربابه في الدنيا إن شاء الله تعالى. وضمنته فوائد في شرح جملة من الألفاظ اللغوية الواردة فيها، وضبطت ما أشكل منها، وعرفت بالمواضع التي نقلت منها جميع ما اشتمل عليه من كتب العلماء رحمهم الله تعالى ليقف عليها هنا لك من تطمح نفسه لذلك، فأبرأ من عهدة النقل، وأسلم من تبعة النقد. وكنت أشتغل باقتناص شوارده من مكامنها، والتقاط فوائده من أماكنها، أيام عزلتي عن العمل، وعطلتي عن الشّغل. فما زلت أؤلف وأصنف، وأبوب وأرتب، وأصحح وأنقح، حتى طلع
[ ١ / ٢٢ ]
في رياض الإفادة زهره، وسطع في أفق الإجادة بدره، وذلك في أوائل ست وثمانين وسبعمائة، فجمعت على فريدته يد الضنين، ومنعت خريدته من لمح العيون.
ولما منّ الله تعالى على هذا الصقع الغربي بقدوم مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي فارس موسى بن مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان فارس ابن موالينا الخلفاء الراشدين أسود العرين وملوك بني مرين، أيده الله تعالى ورضي عنهم، أهديته لمقامهم الكريم أسماه الله تعالى جريا على العادة في إتحاف المملوك الخادم لمولاه القادم، وعملا على ما جاء عن النبي ﵇ من الحضّ على الهدية والأمر بها، وأملا فيما أخبر به- وخبره الحقّ ووعده الصدق- من اقتناء المحبة بسببها. قال ﷺ: تهادوا تحابّوا.
وقال: تهادوا تزدادوا حبّا. ذكره القاضي محمد بن سلامة في كتاب «الشهاب» .
فرضاهم أعزهم الله غاية السّول، ونهاية المأمول، خلّد الله تعالى ملكهم، وجعل البسيطة ملكهم، بمنّه وفضله.