هو علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن سعود الخزاعي- ويكنى أبا الحسن وأحيانا أبا السعود- من أسرة أندلسية عرفت بالفقه والعلم: فجدّ والده- أعني موسى بن سعود الفقيه- ولي القضاء بمدينة أدله بالأندلس في أوائل عهد الدولة النصرية، ثم خلفه على قضائها ابنه الفقيه أحمد بن موسى- جد المؤلف- غير أنه لأسباب لا ندريها غادر تلك البلدة وتحوّل إلى غرناطة عاصمة الدولة النصرية، فولّاه أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الأحمر ثالث سلاطين بني نصر (٧٠١- ٧٠٨) الأشغال السلطانية، أي بعبارة أخرى جعله صاحب ديوان العساكر.
غير أن أحمد بن موسى جدّ لديه ما غرّبه عن الأندلس، فارتحل إلى برّ العدوة، واستقر بتلمسان ومعه ابنه محمد والد المؤلف، وتوفي أحمد الجد بتلمسان وبقي فيها ابنه محمد حيث لقي حظوة لدى أصحابها بني زيان، فعمل كاتبا لديهم ثم أصبح وزيرا في أيام السلطان أبي زيان محمد بن عثمان بن يغمراسن الزياني (٧٠٣- ٧٠٧)، ثم تقلد كتابة الأشغال السلطانية في ظل أبي تاشفين عبد الرحمن الزياني (٧١٨- ٧٣٦)، «وقد جمع محمد بين خطتي السيف والقلم، وكان رسوخ قدمه في الفروسية والعلم أثبت من علم» .
وفي تلمسان رزق بابنه عليّ سنة ٧١٠، فعلي كما يقول ابن القاضي:
«تلمساني المولد أندلسي الأب والسلف»؛ وقد خلف أباه في خدمة بني عبد الواد بتلمسان، فتولّى خطة الأشغال السلطانية لأمير المسلمين المتوكل على الله أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن (٧٣٧- ٧٥٣) «فكان صدرا في تلك المحافل والنوادي» . غير أن عدم استقرار الأمور بتلمسان وتكرر المحاولات المتعارضة من لدن المرينيين تارة والزيانيين تارة أخرى لاحتياز المدينة، ربما حفز عليا إلى
[ ١ / ٧ ]
مغادرتها، فتوجه إلى فاس حيث كلف بأعباء خطة الأشغال السلطانية- كما كان حاله في تلمسان- في أيام السلطان المريني أبي عنان فارس الملقب بالمتوكل على الله (٧٤٩- ٧٥٩) .
وبقي عليّ حتى آخر حياته في خدمة سلاطين بني مرين: ظل كاتب الأشغال السلطانية لأبي يحيى أبي بكر السعيد بالله (٧٥٩- ٧٦٠) ثم من بعده لأبي سالم إبراهيم (٧٦٠- ٧٦٢) في الوظيفة نفسها، وأضاف إليه أبو سالم كتابة العلامة أو «خطة القلم الأعلى»، وكان معاصرا ومزاملا لأبي القاسم ابن رضوان، صاحب كتاب الشهب اللامعة في السياسة، في بلاط ذلك السلطان، واستمر على ذلك في فترة حكم أبي زيان محمد المنتصر بالله (٧٦٣- ٧٦٧) وحكم أبي فارس عبد العزيز المستنصر بالله (٧٦٨- ٧٧٤) وحكم ابنه أبي زيان السعيد بالله (٧٧٤- ٧٧٦) .
تلقى علي دراسته في تلمسان فدرس على شيوخها وفي مقدمتهم العالم التلمساني الكبير أبو عبد الله ابن مرزوق (- ٧٨١) وله منه إجازة؛ ومن شيوخه أيضا محمد بن أبي بكر البلفيقي الشهير بابن الحاج (- ٧٧١) . وقد تنبه عبد الحيّ الكتاني إلى أن أخذ الخزاعي عن مثل هذين الشيخين- وهما يكادان يكونان من أقرانه ولداته في العمر- ربما دلّ على أنه «كان قليل الرواية أو إنما روى واستجاز في كبره» «١» .
ومهما يكن من شيء فإن نشأته الثقافية كانت تؤهله للكتابة في الديوان، فقد عرف بمهارته في الحساب، حتى قال فيه ابن الأحمر: «ومعرفته بالحساب تستغرق العقول، إذ أربت عن حد الحصر والمعقول» «٢» . وكان حسن التحصيل في الأدب والنحو واللغة، هذا إلى إلمام بفروع الفقه والحديث وقدرة على نظم الشعر؛ وقد أورد له ابن الأحمر قصيدة في مدح المتوكل على الله «٣»، وأورد له ابن القاضي مقطوعة قالها حين عثرت بموسى بن أبي عنان المريني فرسه؛ وكان أيضا معروفا بجودة الخطّ؛ وكل هذه الوسائل الثقافية أعدته ليكون صاحب الأشغال السلطانية، تلك «الوظيفة» التي تشبه أن تكون وراثية في أسرته، لأنها تعتمد كثيرا على الشؤون الحسابية؛ ولعله اعتمد
_________________
(١) التراتيب الإدارية ١: ٢٩.
(٢) مستودع العلامة: ٦٤.
(٣) نثير الجمان: ٢٥١- ٢٥٣.
[ ١ / ٨ ]
في اتقانها على والده قبل أي شيخ آخر، ولعله من أجل ذلك لم يتبحر في علم بعينه، ولم يكتب له البروز في اتجاه علميّ محدّد.
ذلك مبلغ ما نعرفه عن ثقافته؛ فأما ما يتعلق بأبرز صفاته فلم يميز منها مترجموه إلا أنه كان مبسوط الكفّ سخاء، فقال ابن الأحمر: «وقدمه في الكرماء أرسخ من أبي قبيس، وفضله ينسي فضل الأمير دبيس» «١» . وقال في موضع آخر: «وكفه بإرسال المواهب لم تكن جانحة إلى التقصير، ولا قيل لطول جودها: جدعت أنف الفضائل عن بخل يا قصير» «٢»؛ وأيد هذا تلميذه ابن السراج بقوله: «كثير الصدقة والإيثار، لم يكن في زمانه من يضاهيه فيها، فذا في طريقته» .
وقد عاش علي حتى ناهز الثمانين، إذ كانت وفاته يوم الأحد الخامس من ذي القعدة سنة ٧٨٩، ودفن من غده يوم الاثنين بمدينة فاس «٣» .