لم تكن الأعمال الديوانية ومشاغلها الكثيرة المتلاحقة تمنح علي بن محمد الخزاعي سعة من الوقت كي يتوفر على التأليف؛ ويبدو أنه أعفي من تلك الأعباء وهو في سن السادسة والستين أو قريبا من ذلك (أي حوالي ٧٧٦) إذ لا نسمع بعد وفاة السعيد أبي زيان أنه شغل أي منصب في الدولة. وهو يصرح في مقدمة «تخريج الدلالات» أنه كان يلتقط الفوائد ويقتنص الشوارد التي سيبني منها كتابه أيام عزلته عن العمل، وأنه استمرّ يجمع ويرتب ويبوب حتى انتهى من ذلك سنة ٧٨٦، وإذا به ينهي عملا طويلا شاقا يسميه «تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية» . وفي ربيع الأول
_________________
(١) نثير الجمان: ٢٥٠.
(٢) مستودع العلامة: ٦٤.
(٣) ترجم له السراج في فهرسته وأخذ عنه، وابن القاضي في درة الحجال ٣: ٢٤٧- ٢٤٨ وجذوة الاقتباس: ٤٨٩ وابن الأحمر في نثير الجمان: ٢٤٩- ٢٥٣ ومستودع العلامة: ٦٢ وروضة النسرين: ٣١ وذكره ابن خلدون في التعريف: ٤٣ كما ذكرت سنة وفاته في وفيات الونشريسي: ١٣١ وفي لقط الفرائد: ٢٢٤. وانظر مقدمة التراتيب الإدارية ١: ٢٨- ٣٥؛ وقد ورد اسم جده الأعلى في كثير من المصادر بصيغة «مسعود»، والأرجح ما أورده معاصره ابن خلدون في التعريف «سعود» .
[ ١ / ٩ ]
من ذلك العام تولّى السلطنة أبو فارس موسى بن المتوكل على الله المريني، فقدّم الخزاعي كتابه هدية إليه «جريا على العادة في إتحاف المملوك الخادم لمولاه القادم، وعملا على ما جاء عن النبي ﵇ من الحضّ على الهدية والأمر بها» .
ويختصر المؤلف السبب الذي حدا به إلى تأليف كتابه بأنه رأى كثيرا ممن لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس له من أدوات الطالب إلّا مداده وقلمه، يظنون أن تولي الأعمال السلطانية بدعة، وأنها بدعة تجرّ على صاحبها الاثم، وأنه كان من الأجدر به الترفع عنها؛ وتبديدا لهذا الجهل جمع مادة كتابه ليثبت أن «العمالات الشرعية» ليست شيئا مستحدثا، وإنما هي خطط وجدت أيام الرسول، وتولاها كثير من الصحابة، فمن تولاها من بعد لم يخرج عن النهج المرضيّ، بل إنه ليحرز الشرف الكبير لأنه يجد نفسه واقفا في ركب صحابي جليل، وكذلك يقال أيضا في أصحاب الحرف والصنائع، فإن أي قارىء لهذا الكتاب سيجد الحقيقة الصادقة التي تزيل عن أصحاب الخطط وأصحاب الحرف وصمة البدعة.
ولعلّ هذا كله مستمدّ من واقع المؤلف، فإنه قضى معظم عمره في خطة سلطانية، وعلى ذلك كان أبوه وجده من قبل، وليس بمستبعد أن يكون قد واجه نقدا لانخراطه في سلك الدولة، ومصاحبته للسلطان، فإن النغمة المنفّرة عن مصاحبة السلطان التي ظهرت بظهور موجة زهدية في القرن الأول لم تكن- فيما يبدو- قد تبدّدت؛ وإن حاول كتاب السياسة- على مر الزمن- احتواءها بما رسموه من آيين وما سنّوه من رسوم في مصاحبة السلاطين.
وقد قسم الخزاعي كتابه في عشرة أجزاء: ثمانية منها في العمالات وواحد في الحرف والصناعات وباب ختامي، وانقسمت الأجزاء العشرة في ١٧٨ بابا، وتبدو دقة المؤلف في هذا الترتيب الذي سار عليه في كتابه، في الأجزاء والأبواب والفوائد، وتوزيعه للمادة في مواضعها، وعدم تورطه في التكرار سهوا، وتكراره لبعض المعلومات عمدا لأنها قد تقع في غير باب واحد؛ وتتجلى دقته في الإحالة على مصادره، وفي ذكر قائمة منها في آخر فصل من فصول كتابه، بحيث نقول إن الخزاعيّ يحترم النصّ ويعامله بأمانة؛ وقد جعل منهجه في كتابه أن يتحدث عن الخطة أو عن جانب منها في فصل من الفصول معتمدا على ما جاء في كتب الحديث بخاصة، ثم
[ ١ / ١٠ ]
يعقد فصلا تاليا للترجمة لمن تولوا تلك الخطة معتمدا في ذلك كتاب الاستيعاب لابن عبد البر في الأغلب، وكثيرا ما يؤيد تراجم الاستيعاب بالإحالة على سيرة ابن هشام، ثم إنه يبين ما يحتاجه القارىء من فوائد لغوية، ومراجعه في هذه الناحية كثيرة في طليعتها الصحاح للجوهري والمحكم لابن سيده وديوان الأدب للفارابي وكتب الأفعال والمخصص لابن سيده الخ تلك المصادر؛ فإذا كان الأمر يتعلق بشرح ألفاظ الأحاديث أحال على المشارق للقاضي عياض وعلى غيره مما يتصل بهذا الباب، وأحيانا يورد فقرة بعنوان «تنبيه» تحتوي فائدة خارجة عن نطاق اللغة، أو تكون بمثابة إحالة إلى ما مرّ أو ما سيأتي بيانه. وبهذا التخطيط الدقيق للكتاب لم يبق المؤلّف مجالا للمحقق، إلا مجالا ضيقا، في الشرح والتوضيح، ولكنه يكلف المحقق جهدا بالغا في تتبع المصادر المعتمدة، والمقارنة والتأكد من مدى الصحة في المنقولات. وربما أخذ على المؤلف إسرافه في تتبع المعاجم اللغوية، فهو يعتمد عددا من المعجمات في تفسير مادة واحدة، مع أن واحدا منها كان يغني عن سائرها؛ ولشغفه بالإكثار من المراجع تراه يقطع النقل عن هذا المصدر ويبدأ النقل عن مصدر آخر، ولو استمرّ في نقله عن الأوّل لجاء بشرح واف بالمراد. وأنت تعجب أحيانا لماذا يعتمد «ديوان الأدب» في شرح «كفر» بمعنى غطّى ولا يعتمد المحكم أو الصحاح، ويجعل اعتماده على واحد منها مطردا إلى أن يستكشف زيادة مهمة في معجم آخر. على أن هذا بعد كل ذلك إنما يعدّ عيبا لا ضرر فيه، وإن كان مرهقا للمحقق.
وقد أفاد المؤلف كثيرا من خبرته في توليه ديوان العساكر مدة طويلة، ولذلك جاء الجزء الخامس وهو في العمالات الجهادية من أكبر الأجزاء إذ احتوى من الأبواب على خمسة وأربعين جمعت جميع الجوانب المتصلة بمهمات الحرب. وتعدّ الأجزاء:
الرابع في العمالات الأحكامية، والسادس في العمالات الجبائية من أهم الأبواب مع الخامس في تبيان «تركيب» الدولة في عهد الرسول والخلفاء الراشدين. أما الباب الخاص بالحرف والصناعات (وهو التاسع) فإنه مكمّل لتصور المجتمع الإسلامي بالإضافة إلى تصوّر بناء الدولة، ولكنه خارج عن غرض المؤلف في إزالة البدعة التي تلصق بأصحاب الخطط السلطانية، فلا أحد يقول إن بيع الطعام أو القيام بالنسج أو البناء أو الصيد أو الطبخ بدعة، وهذه الحرف لم تبدأ على عهد الرسول، وإنما هي حصيلة الحاجة والاجتماع الإنسانيين، نعم كان يمكن القول بأن بعض الحرف
[ ١ / ١١ ]
أحيطت بدعوى المهانة كالحجامة والحياكة وغيرهما، ثم يقف المؤلف مدافعا عن مثل هذه الحرف بما يورده من أحاديث وآثار؛ كذلك فإن من السذاجة أن يقف المرء ليجيب: هل كان في عصر الرسول خياطون، وهل كانت الخياطة بدعة؛ أقول:
لم يقصد المؤلف شيئا من ذلك- فيما أعتقد- وإنما رأى أنه يستكمل ضروب النشاط في مجتمع العهد النبوي إذا هو عرّف بهذه الحرف والصنائع وبمن كان يتولاها.
إن الايحاء الذي يستمده قارىء «تخريج الدلالات» بأن المؤلف في النهاية ينتهي إلى «إجلال» ضروب الممارسات التي تحدّث عنها، لأنها مورست في عهد الرسول، يجب ألا يقلل من شأن الكتاب، فالكتاب حلقة في سلسلة من كتب معاصرة تحدثت عنها في غير هذا الموطن: منها مقدمة ابن خلدون ورسائل لسان الدين ابن الخطيب في السياسة والشهب اللامعة لابن رضوان وواسطة السلوك لأبي حمّو- وربما ظهر غيرها- وكل تلك الكتب صورة لتفتح العبقرية المغربية تحت أضواء التاريخ، لتمثل تنظيرا وتطبيقا لفكر سياسي أصيل، وظهور هذه الكتب في عصر واحد، يومىء إلى جيشان فكريّ خاصّ؛ فإذا كان ابن خلدون يستمد من مفهومه للتطوّر آراءه في الدولة وفي السياسة، وإذا كان ابن رضوان يستعيد النهج الأخلاقي التطبيقي في سياسة الدول، وإذا كان أبو حمو يعتمد التجربة الواقعية «الوصولية» مسلكا لتسويغ طموحه، فإن الخزاعي يوحي لأول وهلة بالعودة إلى الأصول: كل هذا الذي نراه من نظم أقرّه الإسلام منذ البداية، ولذلك فنحن في تطبيقه لا نخرج عن ما رسمه ذلك الدين. ولقد يفهم من موقف الخزاعي أنه لا يؤمن بالتطور، ولكن ذلك غير صحيح، فإن إيمانه الضمني بالتطور هو الذي يدفعه للبحث عن الحقائق في بدايات نشأتها في ظل الإسلام. وإن اتكاءه على الحديث الصحيح- بعد القرآن- يدلّ على أنه كان يؤمن بأن نواة كل نظام موجودة في أقوال الرسول وأفعاله. ومهمته أن يقتنص الأخبار ويقيدها، فيحدثنا مثلا أن الجيش في زمن الرسول كان يتألف من ميمنة وميسرة وقلب وساقة ومقدمة، ويبهرك بهذا الخبر الذي يجد سنده في السير والأحاديث، وتلك هي غايته، ولا دخل له بأي تغيير حدث في نظام الجيش بعد ذلك، وهل كان ذلك التغيير مما يقره الرسول لو شاهده؛ وهو يحدثنا بأن الشفاء كانت في زمن عمر تتولى الإشراف على السوق، أي تؤدي وظيفة المحتسب، ولكنه لا يتساءل أبدا عن مدى ما يمكن أن تتولاه المرأة من خطط، وهل تستطيع أن تتجاوز وظيفة المحتسب إلى غيرها من
[ ١ / ١٢ ]
الوظائف؛ ذلك أيضا من طبيعة الدقة في منهجه، فإنه لو استسلم إلى مثل هذه الحوافز لخرج كثيرا عن الدائرة التي رسمها لكتابه.
وقد لفت هذا الكتاب نظر رفاعة الطهطاوي- لصلته بتفكيره في نظام الدولة- فلخصه، ثم نال إعجاب عالم مغربي هو الشيخ عبد الحي الكتاني، فعلّق عليه وأضاف إلى أجزائه وفصوله في كتابه التراتيب الإدارية، وكان أكثر جهده استكثارا وإلحاقات، وإلا فإن الخزاعيّ كان كثير الاستقصاء والتدقيق، والفرق بينه وبين الكتاني هو الفرق بين مكتبتين، يغترف منها كل واحد منهما، بحسب ما تيسر لديه من مصادر.