فَإِذا وضح مَا ذَكرْنَاهُ من أَحْوَال الْأَخْلَاق من صَلَاح وَفَسَاد وَحمد وذم فَلَيْسَ يَخْلُو الْإِنْسَان من إِحْدَى سِتّ أَحْوَال
إِحْدَاهُنَّ أَن تكون أخلاقه كلهَا صَالِحَة فِي الْأَحْوَال كلهَا فَهِيَ النَّفس الزاكية وصلاحها هُوَ الْخَيْر التَّام وصاحبها هُوَ السَّيِّد بِالِاسْتِحْقَاقِ فيحفظ صَلَاح أخلاقه كَمَا يحفظ صَلَاح جسده وَلَا يغْفل عَن مراعاتها ثِقَة بصلاحها فَإِن الْهوى مراصد والمهمل معرض للْفَسَاد
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
النَّفس عروف عزوف ونفور أُلُوف مَتى ردعتها ارتدعت وَمَتى حملتها حملت وَإِن أهملتها فَسدتْ
قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة الريحاني
إِن من شَأْن النَّفس أَنَّهَا كلما أَعْطَيْت رخصَة فِي الْغَفْلَة وَالنِّسْيَان ازدادت أَكثر مِمَّا أَعْطَيْت وردهَا قبل الْعَادة أَهْون من ردهَا بعد الْحَاجة
[ ٣٣ ]
وَلذَلِك قَالَت الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا
لَو نهيت الأولى لانتهت الْأُخْرَى
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لمَوْلَاهُ مُزَاحم
إِن الْوُلَاة جعلُوا الْعُيُون على الْعَوام وَأَنا أجعلك عينا على نَفسِي فَإِن سَمِعت كلمة وبخني عَلَيْهَا وفعالا لَا تحبه مني فعظني عِنْده
والاستظهار بِمثل ٨ آهذه الأحتياط
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
إِن للنَّاس أفهاما يحفظون عَلَيْك أفهامك فَرُبمَا ذكروك مَا قد أنسيت وأتاك عَنْهُم مَا قد سقط عَن علمك فعلى حسب ذَلِك فَلْيَكُن حذرك من ذمهم وقهرك لَهُم بصيانة نَفسك عِنْدهم
وَالْحَال الثَّانِيَة
أَن تكون أخلاقه كلهَا فَاسِدَة فِي الْأَحْوَال كلهَا فَهِيَ النَّفس الخبيثة وفسادها هُوَ الشَّرّ التَّام وصاحبها هُوَ الشقي بِالِاسْتِحْقَاقِ فيعالج فَسَاد نَفسه كعلاج مرض جسده وَهُوَ أصعب أحوالها علاجا وأبطؤها صلاحا لِأَنَّهَا تنْتَقل إِلَى ضد بِغَيْر ضد وَترد عَن طبع بِغَيْر طبع
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
لَا مرض أوجع من قلَّة الْعقل
[ ٣٤ ]
وَلِأَن يداوي الْمَرْء عقله من الْجَهْل أَحْرَى بِهِ أَن يداوي بدنه من الْمَرَض فتلين بشماسها وتتدرج فِي مراسها لينقلها بالتدريج عَن أَحْوَال مُتَقَارِبَة إِلَى غَايَة متناهية
فَرَائض الْفِيل الوحشي يَقُودهُ بالتدريج إِلَى ضد طباعه قَالَ الشَّاعِر
(وَالنَّفس راغبة إِذا رغبتها وَإِذا ترد إِلَى قَلِيل تقنع) // من الْكَامِل // فَيحكم الْعقل عَلَيْهَا فَكفى بِهِ مُدبرا ناصحا وسفيرا مصلحا كَمَا قيل
الْقُلُوب خواطر بالهوى
والعقول تزجر وتنهى
[ ٣٥ ]
وَفِي التجارب علم مُسْتَفَاد وَالِاعْتِبَار يفيدك الرشاد وَكَفاك أدبا مَا تكره من غَيْرك فعظ نَفسك بالعبرة
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء مَتى بدأت بِطَلَب الشّرف وَالْفضل فَقَالَ مُنْذُ الْوَقْت الَّذِي بدأت فِيهِ بمعاتبة نَفسِي على مَا أَنا فِيهِ من القبائح
وَالْحَال الثَّالِثَة
أَن تكون أخلاقه صَالِحَة فِي كل الْأَحْوَال فتنقلب كلهَا إِلَى الْفساد ٨ ب فِي كل الْأَحْوَال فَهُوَ المستعاذ بِهِ من الْحور بعد الكور
وَلَيْسَ تكون إِلَّا عَن أَسبَاب ناقلة لَا تنفك فِيهَا من أحد ثَلَاثَة أُمُور إِمَّا من سوء منشأ
[ ٣٦ ]
وَإِمَّا من غَلَبَة شَهْوَة
وَإِمَّا من إهمال وَقلة تحفظ
فيعالجه بالضد من سَببه فان فِي صَلَاح الطَّبْع عونا على فَسَاد الِاكْتِسَاب وَلنْ يستصعب انقياد طبع طَرَأَ عَلَيْهِ عَارض
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا النَّفس إِلَّا حَيْثُ يَجْعَلهَا الْفَتى فَإِن أَعْطَيْت تاقت وَإِلَّا تسلت) // من الطَّوِيل //
وَلَئِن تغير الطَّبْع بالإهمال فَهُوَ إِلَى أَصله أبرع وَإِذا أنقصته الحمية كَانَ إِلَى الاسْتقَامَة أسْرع
قَالَ بزرجمهر
من طباع النَّفس اسْتِدَامَة المعاذير لصَاحِبهَا فِيمَا مضى والوجالة فِيمَا بقى
[ ٣٧ ]
فَليعلم الْعَاقِل أَنَّهَا إِن سهلت لَهُ الْعذر فِي قَبِيح أَتَاهُ أَنه قد اكْتسب فِي قبُوله فِيهَا مثله
قَالَ الشَّاعِر
(وَإِن امْرَءًا لَا يَنْتَهِي عَن غواية إِذا مَا اشتهتها نَفسه لجهول) // من الطَّوِيل //
وَالْحَال الرَّابِعَة
أَن تكون كل أخلاقه فَاسِدَة فِي كل الْأَحْوَال فتنقلب إِلَى الصّلاح فِي كل الْأَحْوَال فَمَا ذَاك إِلَّا لداع غلب على الطَّبْع فاجتذبه وَقَوي عَلَيْهِ حَتَّى قلبه فيراعي حفظ أَسبَابه وتقوية مواده وَلَا يغفله فيجذبه الطَّبْع كَمَا اجتذبه فَإِن نوازع الطباع أجذب وَهِي إِلَى مَا ناسبها أقرب وَقَلِيل لفساد صلح أَن يكون مَحْفُوظ الصّلاح
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
كل متأدب من غَيره مَتى لم يدم عَلَيْهِ الْأَدَب اخْتَلَّ مَا يَسْتَفِيد مِنْهُ وَرجع ٩ آإلى طبعه
وملاك صَلَاحهَا أَن تكاثر من وَافقه فِي الصّلاح وتجانب من خَالفه فِيهِ فَإِن للصحبة تَأْثِيرا فِي اكْتِسَاب الْأَخْلَاق واجتذاب الْوِفَاق لقُصُور الطّرف عَلَيْهَا وَسُكُون النَّفس إِلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْمَرْء على دين خَلِيله فَلْينْظر أحدكُم من يخالل)
[ ٣٨ ]
وَقَالَ عبد الله بن طَاهِر
إِن لكل شَيْء حَيَاة وموتا فمما يحيي اللب محادثة الألباء ويحيي الود محادثة الأوداء ويحي الْعِزّ مضافرة الأعزاء ويحي الذل مُظَاهرَة الأذلاء ويحي الشجَاعَة مصاحبة الشجعاء ويحي الْكَرم مُوَاصلَة الكرماء ويحيي الْحيَاء مكاثرة أهل الْحيَاء ويحيي اللؤم معاشرة اللئام
قَالَ بعض البلغاء
صَلَاح الشيم بمعاشرة الْكِرَام وفسادها بمخالطة اللئام
وَالْحَال الْخَامِسَة
أَن تكون بعض أخلاقه صَالِحَة فِي كل الْأَحْوَال وَبَعضهَا فَاسِدَة فقد أَعطَتْهُ نَفسه من صَلَاحهَا شطرا ومنحته من فَسَادهَا شطرا وهما فِيهِ متنافران
وَفِيمَا أَعْطَتْ عون على مَا منعت إِن روعيت وَفِيمَا منعت فَسَاد لما أَعْطَتْ إِن أهملت
وَقد قَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة من كَانَت فِيهِ خصْلَة حَسَنَة فليواظب عَلَيْهَا فَإِن لَهَا دولة تعود إِلَيْهَا مَا أدبر عَنْهَا فليستعن بِشَطْر صَلَاحهَا على شطر
[ ٣٩ ]
فَسَادهَا فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مجذوب وَالْقُوَّة لما اُحْدُ وأعين فامدد صرحها بإرشادك وأعنه باجتهادك فَلَنْ يبْقى لفسادها مَعَ التظاهر عَلَيْهِ لبس وَهُوَ بالضد إِن انعكس
حُكيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ
إِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الشَّرّ رَابِعَة فَاجْتَنبُوهُ وَإِن ٩ ب كَانَت عِنْد النَّاس خيرا فلهَا أَخَوَات ونظائر وَإِذا رَأَيْتُمْ فِي الْإِنْسَان خلة من الْخَيْر رَابِعَة فَلَا تجتنبوه وَإِن كَانَ عِنْد النَّاس رجل سوء فلهَا عِنْده نَظَائِر وأخوات
وَالْحَال السَّادِسَة
أَن تكون كل أخلاقه صَالِحَة فِي بعض الْأَوْقَات وَبَعضهَا فَاسِدَة فِي بعض الْأَوْقَات فقد ترددت النَّفس بَينهمَا وتوطأت لَهما وَالْفساد دَاخل عَلَيْهَا وَلَيْسَ مِنْهَا وَالْعقل مساعد والهوى مُعْتَد وكل وَاحِد مِنْهُمَا جاذب للنَّفس وَهِي تنقاد إِلَى مَا وافقها فَإِن توفرت فضائلها انقادت لِلْعَقْلِ فِي صَلَاح الْأَخْلَاق وَإِن توافرت رذائلها مايلت الْهوى فِي فَسَاد الْأَخْلَاق لِأَن الْعقل علم روحاني يَقُود إِلَى الْخَيْر والشهوة خلق بهيمي يَقُود إِلَى الشَّرّ فَأطلق عنان النَّفس إِذا انقادت لِلْعَقْلِ واقبضه إِذا مَا يلت الْهوى تجدها على الصّلاح مساعدة وللفساد معاندة فحسبك بهَا لِلْعَقْلِ عونا وظهيرا
قَالَ الرشيد
قبح الله الْمَرْء لَا واعظ لَهُ من عقله وَلَا مُطِيع لَهُ من نَفسه
[ ٤٠ ]
مر أَبُو نواس بِأبي الْعَتَاهِيَة فوعظه فَقَالَ أَبُو نواس
(لن تقلع الْأَنْفس عَن غيها مَا لم يكن مِنْهَا لَهَا واعظ) // من السَّرِيع //
فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وددت أَنِّي قلتهَا بِجَمِيعِ شعري
وَقيل بل النَّفس خلية الذَّات من الْفَضَائِل والرذائل وَإِنَّمَا هِيَ آلَة لَهما يتجاذبها الْعقل والهوى فَإِن غلبها الْعقل استعملها فِي الْفَضَائِل وَإِن غلبها الْهوى استعملها فِي الرذائل
[ ٤١ ]
وَقَالَ عَليّ بن عُبَيْدَة
الْعقل والهوى ضدان فمؤيد الْعقل التَّوْفِيق وقرين الْهوى الخذلان وَالنَّفس بَينهمَا فَأَيّهمَا ظفر كَانَت فِي حيزه
وَقَالَ وهب بن مُنَبّه
إِن الْعقل والهوى يصطرعان فِي الْقلب فَأَيّهمَا صرع صَاحبه ١٠ آكانت الْغَلَبَة لَهُ
وَقد نظم ابْن الرُّومِي فِي النَّفس شعرًا خَالف فِيهِ الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ
(كن مثل نَفسك فِي السمو إِلَى العلى لَا مثل طِينَة جسمك الغدار)
[ ٤٢ ]
(فَالنَّفْس تسمو نَحْو علو مليكها والجسم نَحْو السّفل هاو هار)
(فأعن أحقهما بعونك واقتسر طبع السفال بطبعك السوار)
(وَالنَّفس خيرك إِنَّهَا علوِيَّة والجسم شرك لَيْسَ فِيهِ تمار)
(فانفذ لخيرك لَا لشرك وَاتبع أولاهما بالقادر الْغفار)
(فالأرض فِي أفعالها مضطرة والحي فِيهِ فَضِيلَة الْمُخْتَار)
(فَإِذا جريت على طباعك مثلهَا فَكَأَن طبعك بعد من فخار) // من الْكَامِل //
[ ٤٣ ]