وليعلم الْملك أَن الصَّبْر يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام وَهُوَ فِي كل قسم مَحْمُود
فَأول أقسامه الصَّبْر على مَا فَاتَ إِدْرَاكه من نيل رغائب أَو تقضت أوقاته من حُلُول مصائب وبالصبر فِي هَذَا يُسْتَفَاد رَاحَة الْقلب وهدوء الْجَسَد
وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى شدَّة الأسى وإفراط الْحزن
فَإِن صَبر طَائِعا مُسلما وَرَضي بِقَضَاء الله مستسلما أعين على خطبه وَنَفس عَن كربه
وَإِن ساعد جزعه احْتمل هما لَازِما وصبر كَارِهًا آثِما
[ ٨٢ ]
وَحكم الصَّبْر فِيهِ أَن لَا يرى أسفا على رَغْبَة ولاجزعا من ذنكبة فَإِن الزَّمَان نحول والهموم نزُول
قَالَ الشَّاعِر
(وَفِي الصَّبْر عِنْد الضّيق للمرء مخرج وَفِي طول تحكيم الْأُمُور تجارب) // من الطَّوِيل //
وَثَانِي أقسامه الصَّبْر على مَا نزل من مَكْرُوه أَو حل من أَمر مخوف ١٨ آوبالصبر فِي هَذَا تتفتح وُجُوه الآراء وتستدفع مكايد الْأَعْدَاء وَفِي مثله قَالَ الله تَعَالَى ﴿واصبر على مَا أَصَابَك إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾
[ ٨٣ ]
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
بمفتاح عَزِيمَة الصَّبْر تعالج مغاليق الْأُمُور
وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى الْخرق والخور
وَحكم الصَّبْر فِيهِ أَن لَا يدهشه مَا هجم وَلَا يذهله مَا ألم فللنوائب قدر معترض وَأجل مفترض
قَالَ الشَّاعِر
(أرى كل ريح سَوف تسكن مرّة وكل سَحَاب عَن قَلِيل تقشع) // من الطَّوِيل //
[ ٨٤ ]
وثالث أقسامه الصَّبْر فِيمَا ينْتَظر وُرُوده من رَغْبَة يرجوها أَو يخَاف حُدُوثه من رهبة يخشاها
وبالصبر والتلطف يدْفع عَادِية مَا يخافه من الشَّرّ وينال نفع مَا يرجوه من الْخَيْر
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من اسْتَعَانَ بِالصبرِ نَالَ جسيمات الْأُمُور
وفقد الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى الطيش والهلع وَحكم الصَّبْر فِيهِ مَنْسُوب إِلَى سُكُون الجأش فِي أمله وَقلة الاستيحاش من وجله فقضاء الله مَقْدُور وأجله مسطور
قَالَ الشَّاعِر
(اصْبِرِي أيتها النَّفس فَإِن الصَّبْر أحجى)
[ ٨٥ ]
(رُبمَا خَابَ رَجَاء وأتى مَا لَيْسَ يُرْجَى) // من الرمل //
فَإِذا اشْتَدَّ الْجزع والأذى تذكر بقايا النِّعْمَة عَلَيْهِ وَاعْتبر بِمن سلب مَا هُوَ فِيهِ فسيرى مِنْهَا عزاء يُخَفف أشجانه ويقلل أحزانه فصفو الدُّنْيَا مشوب بالكدر
قَالَ بعض الْعلمَاء
من الدُّنْيَا على الدُّنْيَا دَلِيل
قَالَ الشَّاعِر
[ ٨٦ ]
(وَمن عَادَة الْأَيَّام أَن خطوبها إِذا سر مِنْهَا جَانب سَاءَ جَانب) // من الطَّوِيل // وَأنْشد المعري لِلْمَأْمُونِ
[ ٨٧ ]
(كذبتك نَفسك أَيهَا الدَّهْر لَك أَن تجور وَعِنْدِي الصَّبْر)
(آلَيْت لَا أَنهَاك عَن خطل حَتَّى يردك من لَهُ الْأَمر) // الطَّوِيل //
[ ٨٨ ]