وللرذائل مبادئ هِيَ أَوَائِل وغايات هِيَ أَوَاخِر
[ ١٣ ]
فَأول الرذائل الْحمق
وَآخِرهَا الْجَهْل
وَفِي الْفرق بَينهمَا وَجْهَان
أَحدهمَا أَن الأحمق هُوَ الَّذِي يتَصَوَّر الْمُمْتَنع بِصُورَة الْمُمكن وَالْجَاهِل هُوَ الَّذِي لَا يعرف الْمُمْتَنع من الْمُمكن
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الأحمق هُوَ الَّذِي يعرف الصَّوَاب وَلَا يعْمل بِهِ وَالْجَاهِل هُوَ الَّذِي ٤ آلا يعرف الصَّوَاب وَلَو عرفه لعمل بِهِ
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(الأحمق أبْغض خلق الله إِلَيْهِ إِذْ حرمه أعز الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وَهُوَ الْعقل)
وَالْعرب تَقول الأحمق مَأْخُوذ من حمقة السُّوق إِذا نقصت وَكَأَنَّهُ إِشَارَة إِلَى ذهَاب عقله
وللجاهل حالتان
[ ١٤ ]
الْحَال الأولى أَن يجهل وَيعلم أَنه يجهل
وَهَذَا يجوز أَن يسترشد فَيعلم مَا جهل إِن أمد بحمية باعثة وأعين بِنَفس قَابِلَة كَمَا قيل
لَوْلَا الْخَطَأ مَا أشرق نور الصَّوَاب
قَالَ الشَّاعِر
(إِذا صَحَّ حس الْمَرْء صَحَّ قِيَاسه وَلَيْسَ يَصح الْعقل من فَاسد الْحس) // من الطَّوِيل //
وَالْحَال الثَّانِيَة أَن يجهل ويجهل أَنه يجهل
فَهُوَ أسوأهما حَالا وأقبحهما خِصَالًا لِأَنَّهُ إِذا جهل جَهله صَار جهلين متشاكلين فِي الصُّور مُخْتَلفين فِي الْأَثر
أَحدهمَا سالب لهدايته
وَالْآخر جالب لغوايته
فطاح بِالْأولِ فِي سكراته
ومرح بِالْآخرِ فِي هفواته
فَلم يخْتَر لَهُ فاقه
وَلم ترج لَهُ إفاقة
وَقد قَالَ جالينوس
الْجَهْل بِالْجَهْلِ جهل مركب
[ ١٥ ]
لِأَن أَجْهَل وَأعلم أنني أَجْهَل أحب إِلَيّ من أَن أَجْهَل وأجهل أنني أَجْهَل
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
النائحة على الْمَيِّت سَبْعَة أَيَّام وعَلى الْجَاهِل كل أَيَّام حَيَاته وَالْمَوْت خير من الْحَيَاة الردية
وَقيل فِي منثور الحكم
الْجَاهِل وَإِن توفرت عَلَيْهِ الْأَيَّام فَكَأَنَّهُ ابْن يَوْمه وتلاد سَاعَته
وَقَالَ بعض الْعَرَب
لَو صور الْعقل لاظلمت مَعَه الشَّمْس وَلَو صور الْجَهْل لأضاء مَعَه اللَّيْل
قَالَ الشَّاعِر
(لِلْعَقْلِ مَا خلق الْإِنْسَان فالتمسن بِالْعقلِ حظك لَا بِالْجَهْلِ والرتب)
[ ١٦ ]
(٤ ب لَا يلبث الْجَهْل أَن يجني لصَاحبه ذما وَيذْهب عَنهُ بهجة الْحسب) // من الْبَسِيط //