فَمن ذَلِك قلَّة السرع إِلَى الشَّهَوَات والتثبت عِنْد الشُّبُهَات والإعراض عَن الهفوات وَضبط النَّفس عَن سرعَة الحركات ثمَّ إطراق الطّرف وَلُزُوم الصمت إِلَّا من ضَرُورَة لَا يجد فِيهَا من الْكَلَام بدا ليسلم من هذر الاسترسال ويأمن من معرة الطيش فَإِن الْملك مرموق الألحاظ مَحْفُوظ الْأَلْفَاظ تشيع زلاته وتنشر هفواته وبحسب ذَلِك تكون محاسنه أنشر وفضائله أشهر فَهُوَ بِالسُّكُوتِ ممدوح وَمن الْكَلَام على خطر وَقد قيل
الْحصْر خير من الهذر لِأَن الْحصْر يضعف الْحجَّة والهذر يتْلف المهجة
[ ٥٨ ]
قَالَ بعض البلغاء
إلزم الصمت فَإِنَّهُ يكسبك صفو الْمحبَّة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الْوَقار وَيَكْفِيك مؤونة الِاعْتِذَار
وَتكلم أَرْبَعَة من حكماء الْمُلُوك بِأَرْبَع كَلِمَات كَأَنَّهَا رمية عَن قَوس فَقَالَ ملك الرّوم
أفضل علم الْعلمَاء السُّكُوت
وَقَالَ ملك الْفرس
إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا
وَقَالَ ملك الْهِنْد
أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين
نَدِمت على الْكَلَام وَلم أندم على السُّكُوت
[ ٥٩ ]
وليعلم أَن الْحَاجة إِلَى الصمت أَكثر من الْحَاجة إِلَى الْكَلَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الصمت عَامَّة وَالْحَاجة إِلَى الْكَلَام عارضة فَلذَلِك مَا وَجب أَن يكون صمت الْعَاقِل فِي الْأَحْوَال أَكثر من الْكَلَام فِي كل حَال
حُكيَ عَن بعض الْحُكَمَاء أَنه قَالَ وَقد رأى رجلا يكثر من الْكَلَام ويقل السُّكُوت فَقَالَ
إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعل لَك ١٣ ب أذنين وَلِسَانًا وَاحِدًا ليَكُون مَا تسمعه ضعف مَا تَتَكَلَّم بِهِ
[ ٦٠ ]
فَإِذا دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَى الْكَلَام سبره قبل إِطْلَاقه وروى فِيهِ قبل إرْسَاله ليَكُون وفْق غَرَضه وَفِي إبان حَاجته فَإِن كَلَامه ترجمان عقله وبرهان فَضله وَقد قيل
كَلَام الْمَرْء وَافد أدبه
وَقيل
اللِّسَان وَزِير الْإِنْسَان
فَلَا يهتك بالاسترسال فِيهِ فضائله وَلَا يمحو بالتجويز فِيهِ محاسنه فظهور نقص الْكَلَام يغلب على الخافي من فَضله لِأَن الظَّاهِر سَابق منتشر والخفي مَسْبُوق مستتر
وَقد قيل
الصمت مَنَام وَالْكَلَام يقظة
فَإِذا تكلم لوح بِالْمَعْنَى وَجَاوَزَ الْإِكْثَار فَقل من كثر كَلَامه إِلَّا ظهر خلله وَبَان زلله
[ ٦١ ]
وَقد قيل
الْجَاهِل الصَّامِت يعد حكيما والممسك عَمَّا لَا يَنْبَغِي يعد فهيما
قَالَ الشَّاعِر
(قد يكْشف القَوْل عي اللِّسَان فيبدو ويستره مَا سكت)
(فَإِن كنت تبغي ليان المعاش فَلَنْ للأمور إِذا مَا التوت) // من المتقارب //
وَلَا يَنْبَغِي أَن يعجب بجيد كَلَامه وَلَا بصواب مَنْطِقه فَإِنَّهُ بِالصَّوَابِ أَحَق وَالْعجب إِنَّمَا يكون ببادر مستظرف وعَلى أَن سَبَب الاكثار مِنْهُ
وَفِي الْإِكْثَار عثار
[ ٦٢ ]
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من أعجب بِكَلَامِهِ أُصِيب بعقله
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ
من لم يكن كَلَامه حكما فَهُوَ لَغْو وَمن لم يكن سُكُوته تفكرا فَهُوَ سَهْو وَمن لم يكن فكره اعْتِبَارا فَهُوَ لَهو
وكما أَن الْملك مَنْدُوب إِلَى قلَّة الْكَلَام فَهَكَذَا من أَرَادَ خطاب الْملك يجب أَن يحبس لِسَانه عَن كَلَامه فَإِن دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَيْهِ اختصر فَفِي الْإِكْثَار مَعَ الإعثار إضجار
[ ٦٣ ]
وَقيل
إِن كَانَ قوم تقتلهم الْحَرْب كثيرا فَإِن الَّذِي يقتلهُمْ اللِّسَان أَكثر
وَالْمَوْت ١٤ أوالحياة بِاللِّسَانِ هُوَ مِمَّا يتجافاه الْملك وَلَا يرخص فِيهِ الْيَمين وَالْحلف مُصَرحًا أَو معرضًا فَإِن الْحلف قَبِيح وَهُوَ بالملوك أقبح
وَمن قَول النَّبِي ﷺ
(الْيَمين حنث أَو مندمة)
قَالَ بعض الْعلمَاء
[ ٦٤ ]
كَثْرَة الْأَيْمَان من قلَّة الْإِيمَان
وَلِأَن الْيَمين يقْصد بهَا أحد ثَلَاثَة أوجه يجل الْملك عَنْهَا إِمَّا ليصدق خَبره وَالْملك يجل قدره عَن الإكذاب وَإِمَّا ليتَحَقَّق وعده أَو وعيده وَقدرته تمنع من الارتياب وَإِمَّا لاستراحة فِي كَلَامه فَهِيَ عي قَبِيح وَلَكِن فاضح
وَإِن دَعَتْهُ الضَّرُورَة إِلَيْهَا لشرط فِي عقد وتوثقة فِي عهد إلتزم حكمهَا فِي السياسة وَإِن لم يلْزم حكمهَا فِي الدّيانَة لفساد عقدهَا واختلال شَرطهَا وَلَا يتطلب لفسخها مَعَ الصِّحَّة تَأْوِيلا وَإِن كَانَ لَهُ فِي الْفَسْخ تَأْوِيل وَلَا يَجْعَل لمخرجه مِنْهَا تعليلا وَإِن كَانَ لَهُ فِي الشَّرْع تَعْلِيل لتَكون عقوده محروسة من فسخ وعهوده مَحْفُوظَة من نسخ فَلَا يختلج فِيهِ ظن وَلَا يقْدَح فِيهِ طعن فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ لَهُ فِي الدّين مخرج مِنْهَا فَمَا يقف عَلَيْهِ كل من سمع بالتزامها وَلَا يعرفهُ إِلَّا الْعلمَاء بأحكامها
وَلِأَن يراقب فِي دُنْيَاهُ بعد مراقبة الله تَعَالَى فِي دينه فَيجمع بَين رضَا الله تَعَالَى وثناء خلقه أولى من تفرده بِأَحَدِهِمَا واطراح الآخر
وَقيل
دع مَا يسْبق إِلَى الْقُلُوب إِنْكَاره وَإِن كَانَ عنْدك اعتذاره فَمَا كل من حكى عَنْك نكرا يُطيق أَن يوسعه مِنْك عذرا
[ ٦٥ ]
فَإِن لم يجد إِلَى اسْتِدَامَة التزامها سَبِيلا أوضح من أَسبَاب عذره وأشاع من وُجُوه مخرجه قبل شُرُوعه فِي خلقه ونقضه مَا يحفظ عَلَيْهِ سَلامَة دينه وَعرضه فَلَا ينْسب فِي ١٤ ب يَمِينه إِلَى حنث وَفِي عَهده إِلَى نكث
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الْكَذِب والغدر يشبهان أَسْنَان الْأسد ويفسدان قُلُوب النَّاس
[ ٦٦ ]