فَإِذا ظفر بِهَذَا الْأمين المعوز أودعهُ سره إِيدَاع منتحرز متحفظ فَإِن وجده متطلعا إِلَيْهِ ومؤثرا للوقوف عَلَيْهِ حذره وتوقاه فَإِن طَالب الْوَدِيعَة خائن ومستدعي الْأَمَانَة ظنين
قَالَ الشَّاعِر
(لَا تذع سرا إِلَى طَالبه إِنَّمَا الطَّالِب للسر مذيع) // من الرمل //
[ ٩٤ ]
ثمَّ لَا فسحة فِي إبداء الْأَسْرَار مَعَ الِاضْطِرَار إِلَّا لمستشير ليأمن عثارها ويتوقى أخطارها
ويسرها إِلَى المستشار بِالْكِنَايَةِ دون الصَّرِيح وَيُشِير إِلَيْهَا بالتعريض دون الفصيح إِذا كَانَت أَحْوَال التَّعْرِيض مُمكنَة وشواهد الْكِنَايَة فِيهَا مُحْتَملَة ليأمن عواقب الإذاعة من ذَوي الظنة والاستطالة بالإدلال من ذَوي الْعِفَّة فَإِن للزمان تغيرا وللإخوان تنكرا
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من أفشى سره كثر عَلَيْهِ المتآمرون
وَفِي منثور الحكم
من ضَاقَ صَدره اتَّسع لِسَانه
[ ٩٥ ]
قَالَ الشَّاعِر
(إِذا ضَاقَ صدر الْمَرْء عَن سر نَفسه فصدر الَّذِي يستودع السِّرّ أضيق) // من الطَّوِيل //
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(ألم تَرَ أَن وشَاة الرِّجَال لَا يتركون أديما صَحِيحا)
[ ٩٦ ]
(فَلَا تفش سرك إِلَّا إِلَيْك فَإِن لكل نصيح نصيحا) // من المتقارب //
قَالَ بعض البلغاء
إِذا وقفت الرّعية على اسرار الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا
وَلَا عذر لمن ظفر بسر لم يُؤمن عَلَيْهِ أَن يذيعه كَمَا لَا عذر لمن ظفر بِمَال لم يؤتمن عَلَيْهِ أَن يستبيحه
وَليكن فِي حفظهما على حكم المؤتمن يقْضِي على نَفسه ٢٠ آفي الْأَمَانَة بِالْوَفَاءِ وَفِي اللقط والضوال الشاردة بِالْأَدَاءِ
وَمِمَّا يجب على الْملك أَن يحفظه على نَفسه من أسرارها أَن يروضها بِفضل حزمه ويأخذها بِقُوَّة عزمه حَتَّى لَا يظْهر فِي وَجهه إِمَارَة سخط وَلَا رضَا وَلَا يعرف مِنْهُ آثَار حزن وَلَا سرُور فَيظْهر مَا فِي نَفسه وهوكامن وينم عَلَيْهِ وَهُوَ آمن فيظن أَنه قد كتم سره وَقد ذاع وطوى مَا فِي نَفسه وَقد شاع
وَليكن متشاكل الْأَحْوَال متماثل الْأَوْصَاف ليَكُون كتوم النَّفس كَمَا كَانَ كتوم اللِّسَان وَلَا يَبْدُو من نَفسه مَا يكره أَن يظْهر على لِسَانه ليكمل كتمان أسراره فِي الْحَالين
وَإِن أَسْوَأ الْعُيُوب حَالا وأظهرها وبالا أَن يعرف مَا فِي نَفسه من غير اختباره فيعلمه الثِّقَة والظنين ويشترك فِيهِ الخائن والأمين وَهُوَ لَو أسره إِلَى أحد فأذاعه لاستكبره مِنْهُ ولرأى فِي مُوجب السياسة
[ ٩٧ ]
وَمُقْتَضى الحزم أَن يؤاخذه بِهِ ويعاقبه عَلَيْهِ
فَكيف يرضى من نَفسه مَا يستكره من غَيره ويتسامح فِي مَا يُعَاقب عَلَيْهِ كلا
وَلَئِن كَانَ مرامه صعبا فَهُوَ سهل على من ساعده الطَّبْع ثمَّ على من تطبع بِهِ عِنْد نفور الطَّبْع فَيصير طبعا وتطبعا يسهل على ذِي الحزم إِذا صَادف عزما فَإِن الكره يسهل بالمرون عَلَيْهِ
فَإِذا ضبط من نَفسه مَا يُنكر آثاره وينم أسراره كَانَ أفضل حزما وَأقوى عزما مِمَّن كتم سره بِلِسَانِهِ فَإِذا ساعده الْأَمْرَانِ لم ينم لَهُ سر وَلم يعرف لَهُ غور
[ ٩٨ ]