ويحذر الْغَضَب ويتوقاه فَإِن نفور فورته واشتطاط حِدته يسلبان صَوَاب ذَوي الْأَلْبَاب وَلَا يتهذب لَهُم خطاب وَلَا يتَحَصَّل لَهُم جَوَاب وَلَا يتَقَدَّر لَهُم عِقَاب وَقل مَا يسلم مَعَ الْغَضَب رَأْي من زلل وَكَلَام من خطل وَفعل من عسف وَحقّ من حرف وَدين من جرح وَعرض من قدح وجد من طيش وَعدد من هيش فَهُوَ شَرّ باهر متسلط وأضر معاند مورط لَا تعصى بوادره إِن غلب وَلَا تحصى فواقره إِن وثب وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الأخطار وتقابلت فِيهِ هَذِه المضار كَانَ التَّحَرُّز من خطره حزما والسلامة من ضَرَره غنما وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا من كَانَ الْعقل قائده والتوفيق رائده فَملك زِمَام نَفسه حَتَّى أَطَاعَته وراض شماسها حَتَّى أَجَابَتْهُ فَإِن مني بِهِ الْملك قبض نَفسه عَن الانقياد لَهُ حَتَّى يَزُول عَنهُ اخْتِلَاط نفرته واشتطاط قدرته
ثمَّ يتصفح الذَّنب الَّذِي أغضبهُ بعد سُكُون جأشه ويقابل عَلَيْهِ بِقدر اسْتِحْقَاقه إِن لم ير لَهُ فِي الْعَفو مدخلًا وَلَا فِي الصفح والتجاوز وَجها ليقف على الصَّوَاب فِي قَضيته
[ ٧٢ ]
وعَلى الْعدْل فِي مؤاخذته فَلَا شَيْء أضرّ بِالْملكِ من أَن تخفى عَلَيْهِ حقائق الذُّنُوب وَلَا يقف مِنْهَا على مقادير الْحُدُود
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إِذا استشاط السُّلْطَان تسلط الشَّيْطَان)
وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
غضب الْملك كالأسد الَّذِي يزأر
وَحكي أَن بعض مُلُوك الْفرس كتب كتابا وَدفعه إِلَى وزيره وَقَالَ إِذا أَنا غضِبت فناولني هَذَا وَكَانَ فِيهِ مَكْتُوبًا ١٦ آمالك وَالْغَضَب إِنَّمَا أَنْت بشر ارْحَمْ من فِي الأَرْض يَرْحَمك من فِي السَّمَاء
وَكَانَ يفعل هَذَا ليزول عَنهُ الْغَضَب فيستبين لَهُ الصَّوَاب حذرا من قبح آثاره وَشدَّة إضراره
فَإِذا استطفأ ثَائِر الْغَضَب واستكف بادرة الاشتطاط ثمَّ استعطفه الْمُغْضب واسترضاه فَمن كرم الشيمة وَحسن العاطفة أَن يلين لَهُ ويرضى عَنهُ
[ ٧٣ ]
قيل من أعجب شَيْء أَن يكون الرجل يلْتَمس رِضَاهُ فَلَا يرضى وأعجب مِنْهُ أَن يلْتَمس رِضَاهُ فيغضب
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم يقبل التَّوْبَة عظمت خطيئته وَمن لم يحسن إِلَى التائب قبحت إساءته
فَإِن أحب أَن يتدرج إِلَى الرِّضَا لِئَلَّا يصل بَين ضدين قدم مباديه وَسَهل دواعيه وَكَانَ فِي السِّرّ رَاضِيا وَفِي الظَّاهِر مغاضيا ليظْهر الرِّضَا عَن أَحْوَال مُتَقَارِبَة وتنتقل إِلَيْهِ بعد أُمُور متناسبة فَلَيْسَ بمستبعد إِذا كَانَ بطيء الرِّضَا غير أَن من أَخْلَاق الْمُلُوك سرعَة الْغَضَب وَلَيْسَ من أَخْلَاقهم سرعَة الرِّضَا
وَالْعلَّة فِي ذَلِك لما قد اسْتَقر فِي الْقُلُوب من هيبتهم وأذعنت بِهِ النُّفُوس من طاعتهم لَا يلاقون مَا يكْرهُونَ وَلَا يرَوْنَ إِلَّا مَا يؤثرون فَإِذا بدر مَا يغضبهم خرج عَن عرفهم فتعجل بِهِ غضبهم وَمَا يرضيهم دَاخل فِي عرفهم فَلم يتعجل فِيهِ رضاهم
وَمن عداهم فِي الْأَمريْنِ بخلافهم فَلذَلِك وَقع الْفرق بَين الْمُلُوك
[ ٧٤ ]
وَغَيرهم فِي الرِّضَا وَالْغَضَب فَإِن لم يظْهر غضبهم فَهُوَ لسياسة وحزم هم فِيهِ مَعَ كَونه فيهم بَين أَمريْن
إِمَّا أَن يوطئوا أنفسهم للصفح عَنهُ وَإِمَّا أَن يؤخروا ١٦ ب الْأَمر إِلَى وَقت الانتقام
وَالْأول كرم ورأفة
وَالثَّانِي حمية وتقويم