فيحذر الْكَذِب جادا وهازلا وَلَا يرخص لنَفسِهِ محقا وَلَا مُبْطلًا إِلَّا على وَجه التورية فِي خداع الحروب انتهازا للفرصة فِيهَا واختداعا لمكيدتها فَمَا للحرب مهلة وَلَا للظفر عِلّة فأبيح فِي التَّوَصُّل إِلَيْهَا رخص
[ ٦٧ ]
الْكَلَام كَمَا اسْتعْمل فِيهَا رخص الْأَفْعَال وَلذَلِك جَاءَت السّنة بإرخاص الْكَذِب فِيهَا على وَجه التورية دون التَّصْرِيح
قَالَ النَّبِي ﷺ
(الْحَرْب خدعة)
وَإِذا أمكن أَن يكون ذَلِك بمواضعة غَيره كَانَ أولى من أَن يكون ذَلِك بمباشرته بِنَفسِهِ فَإِن لم يجد من الْمُبَاشرَة بدا ورى وَعرض ليَكُون التَّأْوِيل لكَلَامه مُحْتملا وَالتَّصْرِيح بِالْكَذِبِ عَنهُ مشفيا فيعذر إِذا ظهر وَلَا يتَصَوَّر بِالْكَذِبِ إِذا اشْتهر وليقلل مِنْهُ إِلَّا عِنْد ضيق الخناق فَإِن أَكثر مِنْهُ افتضحت معاريضه فَصَارَ صَرِيحًا ورد عَلَيْهِ فَاسِدا وصحيحا
وَإِن رخص لنَفسِهِ فِي التَّصْرِيح بِالْكَذِبِ على غير مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَرْب
[ ٦٨ ]
من التَّعْرِيض الْمُحْتَمل صَار بِهِ موسوما ١٥ آوإليه مَنْسُوبا لِأَن الْإِنْسَان بِمَا يسْبق إِلَيْهِ يعرف وَبِمَا يظْهر من شيمه يُوصف وَبِذَلِك جرت عَادَة الْخلق أَنهم يعدلُونَ الْعَادِل بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أَسَاءَ
ويفسقون الْفَاسِق بالغالب من أَفعاله وَرُبمَا أحسن
وَقل مَا يمحض أَحدهمَا فِي الْإِنْسَان وَإِن تمحض ندر قَالَ الشَّاعِر
(من لَك بالمحض وَلَيْسَ مَحْض يخْبث بعض ويطيب بعض) // من الرجز //
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁
[ ٦٩ ]
لِأَن يضرني الصدْق وَقل مَا يفعل أحب إِلَيّ من أَن يَنْفَعنِي الْكَذِب وَقل مَا يفعل
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(أعظم الْخَطَايَا اللِّسَان الكذوب)
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
كذب الْملك وغدره من دَلَائِل حَادث يحدث فِي ملكه لِأَنَّهُ يشبه تَخْلِيط العليل فِي الْعلَّة يزِيدهُ مَرضا وَفِي بدنه زهكا