ثمَّ كَذَلِك الْمحل واللجاج يجب أَن يحذرهُ فَهُوَ أليف الْغَضَب وحليف العطب لِأَنَّهُ يركب من الْأُمُور أصعبها وَيُفَارق من الآراء أصوبها وَقل مَا أجدى اللجاج إِلَّا شرا وَأَقل الْأَمريْنِ خيرا وَكفى بلجاجه مضرَّة ومعرة أَنه إِن أكذبه الظَّن تورك وَإِن ساعده الْقَضَاء شُورِكَ فَيصير بالمتاركة مَعْذُورًا وَفِي الْمُشَاركَة ممكورا
قَالَ الشَّاعِر
(وَإِذا رَأَيْت أَخَاك لج فَلَنْ لَهُ حَتَّى يعود إِلَى الطَّرِيق الأقصد)
(إِن اللجوج يلج إِن لاججته مثل الشهَاب يلج للمستوقد) // من الْكَامِل //
فَإِذا انْقَادَ إِلَى الْأَمر الأرفق وساعده الرَّأْي الأوفق لم يعْدم دركا إِن أنجح وعاذرا إِن أكدح
قَالَ الشَّاعِر
(ليبلغ عذرا أَو يُصِيب رغيبة ومبلغ نفس عذرها مثل منجح) // من الطَّوِيل //
[ ٧٥ ]
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(إِن الرِّفْق لم يكن قطّ فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا نزع من شَيْء إِلَّا شانه)
وَليكن مساهلا للزمان فِي طلبته مباشرا للقدر فِي إِرَادَته
[ ٧٦ ]
وَلَا يطْلب من الْأُمُور متعورا وَلَا متعذرا وَلَا يطْلب مِنْهَا مُدبرا وَلَا موليا فَإِن خاشنه الدَّهْر لَان وَإِن عَارضه الدَّهْر استكان فمطاول الدَّهْر مغلول ومعاند الْقدر مخذول
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من اسْتَعَانَ بِالرَّأْيِ ملك وَمن كَابر الْأُمُور هلك
[ ٧٧ ]
قَالَ الشَّاعِر
(ومكلف الْأَيَّام ضد طباعها متطلب فِي المَاء جذوة نَار) ١٧ آ
(وَإِذا رَجَوْت المستحيل فَإِنَّمَا تبني الرَّجَاء على شَفير هار) // من الْكَامِل //
[ ٧٨ ]
وليعلم أَن الْأُمُور الَّتِي تدبرها مِمَّا لَا تمْضِي إِلَّا بفرط الصرامة وَشدَّة الهيبة الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْملك وأس السلطنة وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا لمن خيف غَضَبه وخشيت سطوته
وليجعل بدل الْغَضَب تغاضبا لَا غَضبا لِأَن التغاضب فعله يقدر أَن يقف مِنْهُ على الْحَد الْمَطْلُوب وَيعرف مِنْهُ حقائق الذُّنُوب وَالْغَضَب انفعال فِيهِ اضْطر إِلَيْهِ لَا يقدر أَن يقف مِنْهُ على قدر حَاجته وَلَا يقْتَصر مِنْهُ على قدر كِفَايَته حَتَّى يتَجَاوَز إِلَى الْحَد المضر والطيش المعر
وَلَقَد أصَاب من كَانَت عُقُوبَته للأدب وَأَخْطَأ من كَانَت عُقُوبَته للغضب وَهَذَا مِمَّا ذكرنَا فِي معنى الطَّبْع والتطبع
قَالَ الشَّاعِر
(فَلم أر للسيادة كالعوالي وَلَا للثأر كالقوم الغضاب) // من الوافر // وعَلى هَذَا الْقيَاس لَا يَنْبَغِي أَن يستفزه السرُور فتملأ البشائر قلبه وتخلب الأفراح لبه فَيصير بهَا طائشا مرحا لَا يلين إِن صال وَلَا يَسْتَقِيم إِن مَال فينسبه الْعَدو إِلَى ضعف الْعَزِيمَة ولين الهمة وَإنَّهُ لحقيق بمناسبه إِلَيْهِ ووسمه بِهِ
وَإِذا ضبط نَفسه عَن هَذِه الْحَال وتنزه عَن رذل الْمقَال وتصور أَن جَمِيع البشائر وَإِن جلت محتقرة إِذا قيست بعلو مَنْزِلَته وأضيفت إِلَى عَظِيم همته كفي استفزاز الْفَرح واهتزاز المرح فَكَانَ أشبه بِكَمَالِهِ وأليق باعتداله
[ ٧٩ ]
قَالَ الشَّاعِر
(وَلست بمفراح إِذا الْأَمر سرني وَلَا جازع من صرفه المتقلب) // من الطَّوِيل //
[ ٨٠ ]