وَفِي الْفرق بَينهمَا وَجْهَان
أَحدهمَا أَن الْعقل مَا تَيَقّن بِهِ الصَّوَاب من الْخَطَأ والرأي غَلَبَة الظَّن فِي تَرْجِيح الصَّوَاب على الْخَطَأ
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْعقل هُوَ الْمُوجب لأمر لَا يجوز خِلَافه والرأي هُوَ سُكُون النَّفس إِلَى تَرْجِيح أَمر يجوز خِلَافه
ثمَّ يتفقان فِي النَّعْت وَالصّفة ويختلفان فِي الْعلَّة والنتيجة
فالعقل لَازم لمحله ومستقل بِحكمِهِ والرأي معترض يستمد الْعقل ويستضيء بنوره وَلذَلِك قيل
[ ٢٣ ]
ظن الْعَاقِل أصدق من يَقِين الْجَاهِل
وَقَالَ عُلَمَاء الْعَرَب
سمي الْعقل عقلا لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن القبائح
وَكَانَ الْمَأْمُون ينشد كثيرا قَول الشَّاعِر
(يعد عَظِيم النَّاس من كَانَ عَاقِلا وَإِن لم يكن فِي قومه بحسيب)
(وَإِن حل أَرضًا عَاشَ فِيهَا بعقله وَمَا عَاقل فِي بَلْدَة بغريب) // من الطَّوِيل //
[ ٢٤ ]
وَلَئِن كَانَ الْعقل مُسْتقِلّا ببصيرته فقد يزْدَاد بالتجارب تيقظا وبممارسة الْأُمُور تحفظا فَلَا يلتبس عَلَيْهِ حزم وَلَا ينتقص عَلَيْهِ عزم
وَقيل
كل شَيْء يحْتَاج إِلَى الْعقل وَالْعقل يحْتَاج إِلَى التجارب
وَقد قيل
اسْتُرْ عَورَة الحداثة بدراية كتب الْمُتَقَدِّمين
واستعن على إِدْرَاك الْأَحْوَط بِحِفْظ آثَار الماضين
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم تلقح رَأْيه التجارب عقمت همته
فنظمه بعض الشُّعَرَاء
[ ٢٥ ]
(من لم تلقحه نَوَائِب دهره وحوادث الْأَيَّام فَهُوَ عقيم) // من الْكَامِل //