وَلَيْسَ يَصح الصَّبْر فِي الْأُمُور بترك التسرع إِلَيْهَا دون كتمان السِّرّ فِيهَا فَهُوَ أقوى أَسبَاب الظفر بالمطالب وأبلغ فِي كيد الْعَدو الموارب
قَالَ النَّبِي ﷺ
(اسْتَعِينُوا على الْحَاجَات بِالْكِتْمَانِ فَإِن كل ذِي نعْمَة مَحْسُود)
[ ٨٩ ]
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه
سرك أسيرك فَإِذا تَكَلَّمت بِهِ صرت أسيره
قَالَ أنوشروان
من حصن سره فَلهُ بتحصينه خصلتان الظفر بحاجته والسلامة من السطوات
وكتمان السِّرّ مَا صينت بِهِ الْأَقْوَال من الإذاعة وسترت بِهِ الْأَفْعَال من الإشاعة فَلم تَرَ آثاره وَلم تنم أخباره فَإِن لم تعم لم تنم ولقل مَا أنجح من أفشى السِّرّ فرام أَو خلا مِنْهُ مرام فَإِن لَهَا عَن قبض
[ ٩٠ ]
عنانه وسها عَن حفظ لِسَانه بدر سره فاستضر وَألف إرْسَاله فاستمر وَلم يبْق مصون إِلَّا انهتك وَلَا مَسْتُور إِلَّا افتضح فبودر قبل بداره وعوجل قبل حذاره وَصَارَ إفشاء سره أنكى فِيهِ من مكر عدوه لانه إِن اخْتصَّ بإفشاء سره اخْتصَّ بِمَا قدمْنَاهُ من ضره وَإِن كَانَ مستودعا عِنْده لغيره صَار مستودعه بعد الْمَوَدَّة عدوا يطْلب ثَأْره وَيسْتَقْبل نفاره
قَالَ الشَّاعِر
(فَلَا تأمنن الدَّهْر حرا ظلمته فَمَا ليل مظلوم كريم بنائم) // من الطَّوِيل //
وَلِهَذَا الحذر توَاصى بِهِ النَّاس حزما وعزما وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قولا وَعَملا
١٩ - آحكي أَنه تَذَاكر نَاس من أهل الْفضل كتمان السِّرّ فِي مجْلِس عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ عبد الله بن طَاهِر
(ومستودعي سرا تَضَمَّنت سره فأودعته فِي مُسْتَقر الحشا قبرا)
[ ٩١ ]
فَقَالَ ابْنه عبيد الله
(وَمَا السِّرّ فِي قلبِي كثاو بقبره لِأَنِّي أرى المقبور ينْتَظر النشرا)
(ولكنني أخفيه حَتَّى كأنني من الدَّهْر يَوْمًا مَا أحطت بِهِ خَبرا)
[ ٩٢ ]