فَأَما الْكَرم والمروءة فهما قرينان فِي الْفضل ومتشاكلان فِي الْعقل
وَالْفرق بَينهمَا مَعَ التشاكل من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن الْكَرم مُرَاعَاة الْأَحْوَال أَن يكون على أنفعها وأفضلها
والمروءة مُرَاعَاة الْأَحْوَال أَن يكون على أحْسنهَا واجملها
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْكَرم مَا تعدى نَفعه إِلَى غير فَاعله والمروءة قد تقف على فاعلها وَلَا تتعدى إِلَى غَيره
فَإِن استعملها فِي غَيره مَا زجت الْكَرم وَلم ينْفَرد بالمروءة وَصَارَ بالاجتماع أفضل وَإِن افْتَرقَا كَانَ الْكَرم أفضل لتعدي نَفعه وتعدي النَّفْع أفضل
وَلَيْسَ وَاحِد من الْكَرم والمروءة خلقا مُفردا وَلكنه يشْتَمل على أَخْلَاق يصير مجموعها كرما ومروءة
الْمُرُوءَة
رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(من عَامل النَّاس فَلم يظلمهم وَحَدَّثَهُمْ فَلم يكذبهم وَوَعدهمْ فَلم يخلفهم فَهُوَ مِمَّن كملت مروءته وَظَهَرت عَدَالَته وَوَجَبَت أخوته)
قَالَ بعض البلغاء ٦ ب
[ ٢٨ ]
من شَرَائِط الْمُرُوءَة أَن تعف عَن الْحَرَام وتتصلف عَن الآثام وتنصف فِي الحكم وتكف عَن الظُّلم وَلَا تطمع فِي مَا لَا تسْتَحقّ وَلَا تستطيل على من لَا تسْتَرق وَلَا تعين قَوِيا على ضَعِيف وَلَا تُؤثر دنيا على شرِيف وَلَا تسر مَا يعقب الْوزر وَالْإِثْم وَلَا تفعل مَا يقبح الذّكر وَالِاسْم
قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لأبي حَازِم
أَي عباد الله أكْرم
قَالَ أولو الْمُرُوءَة وَالنَّهْي الَّذين نهوا النَّفس عَن الْهوى وَلم يَقُولُوا لَعَلَّ وَعَسَى
قَالَ أنوشروان لِابْنِهِ
[ ٢٩ ]
من الْكَامِل الْمُرُوءَة
قَالَ من حصن دينه وَوصل رَحمَه وَأكْرم إخوانه
وَفِي اشتقاق اسْم الْمُرُوءَة من كَلَام الْعَرَب مَا يدل على فضيلتها عِنْدهم وَعظم خطرها فِي نُفُوسهم فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا مُشْتَقَّة من الْمُرُوءَة وَالْإِنْسَان فَكَأَنَّهَا مَأْخُوذَة من الإنسانية
وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا مُشْتَقَّة من المريء وَهُوَ مَا استمرأه الْإِنْسَان من الطَّعَام لما فِيهِ من صَلَاح الْجَسَد فَأخذت مِنْهُ الْمُرُوءَة لما فِيهَا من صَلَاح النَّفس